فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٨٣ - الفص الخامس عشر
العادة بذلك لا ينهض دليلًا عنده على استحالته.
(٧) «و يحتمل أن يكون العامل فيه «تنفخ» فيكون طائراً من حيث صورته الجسمية الحسية».
(٧) يبحث عن العامل في المجرور «بِإِذْنِ اللَّهِ» في قوله تعالى في حق عيسى «وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي»: هل هو «يكون» فيكون المعنى «فيكون بإذن اللَّه طيراً»، أو «تنفخ» فيكون المعنى «فتنفخ فيه بإذن اللَّه فيكون طيراً؟» بعبارة أخرى هل كان خلق الطير من الطين من عمل عيسى بواسطة النفخ الذي أذن اللَّه له به، أم كان الخلق بإذن اللَّه و لم يكن لعيسى فيه سوى النفخ؟ إذا قلنا إن عيسى لم يكن سوى أداة في الخلق من حيث إنه سوَّى الطين في صور كهيئة الطير و نفخ فيها، و إن الخالق في الحقيقة هو اللَّه، كان قولنا هذا أشبه بقول الأشاعرة في خلق الأفعال أو أشبه بنظرية ديكارت و ملبرانش في تفسير الحركة، و هي النظرية المعروفة بنظرية المصادفةOccasionalism : و لكن هذا تفسير لا يتمشى مع الروح العامة لمذهب يقول بوحدة الوجود. و إذا قلنا إن خلق الطير من الطين كان من عمل عيسى نفسه، لزم أن يكون تحقق هذا الفعل راجعاً إلى أن اللَّه أمره بالنفخ في الطير المصور في الطين. و التفسير الصحيح المتمشي مع مذهب المؤلف هو أن الخالق للطير من الطين هو اللَّه المتجلى في الصورة العيسوية، و الذي صدر عنه كل ما صدر عن عيسى من الأعمال الخارقة للعادة كإحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص و غيرهما: أي أنه ليس في الأمر ثنوية كما يذهب إليه الأشاعرة و أصحاب مذهب المصادفة: خالق يفعل كل شي ء، و محل يظهر فيه فعل الخلق، أو إنسان يظهر على يديه ذلك الفعل. كما أن الخلق لم يكن لعيسى مستقلًا عن اللَّه.
و يذهب القيصري إلى أن خلق الطير من الطين كان من فعل عيسى نفسه و أنه كان من جملة المعجزات التي ظهر بها في قومه. و إذا كان كذلك فلا يكفي