فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٨٥ - الفص الخامس عشر
هي مادة الأفلاك، و الطبيعة العنصرية التي هي عادة عالم الكون و الفساد. فإذا قلنا إن جبريل يستطيع أن يظهر بأية صورة في عالم الطبيعة بناحيتيه، كان معنى هذا أنه مبدأ الحياة الساري في كل صورة من صور هذا العالم.
(٩) «و لذلك نُسِبُوا إلى الكفر و هو الستر لأنهم ستروا اللَّه الذي أحيا الموتى بصورة بشرية عيسى».
(٩) لما أحيا عيسى الموتى و خلق الطير من الطين و أتى بغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، ذهب الناس في أمره مذاهب شتى. فمنهم من قال بحلول اللَّه فيه فنسب كل هذه الخوارق إلى اللَّه «المستور» خلف الصورة العيسوية: و هذا هو الكفر في نظر ابن عربي إذ الكفر معناه «الستر» و الإشارة هنا إلى قوله تعالى «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ»^.
و لكن بأي معنى، و من أي وجه كفر الذين قالوا إن اللَّه هو المسيح عيسى ابن مريم؟ يقول إنهم لم يكفروا بقولهم إن اللَّه هو المسيح، و لا بقولهم إن المسيح هو عيسى ابن مريم، و لكنهم كفروا بالقولين معاً: أي بقولهم إن اللَّه هو المسيح عيسى ابن مريم وحده دون غيره. فكفرهم راجع إلى قولهم بالحلول:
أي سترهم الحق وراء الصورة العيسوية و قولهم إنه حال في هذه الصورة دون غيرها: مع أن الحق لم يحلّ في صورة المسيح و لا في غيرها، و إنما تجلى في كل صورة من صور الوجود بما فيها صورة المسيح. و قد كان السبب في كفرهم جهلهم بطبيعة الوجود و تقييدهم الحق بصورة معينة مع أنه منزه عن التقييد، إذ لا صورة من صور الوجود أحق به من غيرها.
(١٠) «و كان النفخ من الصورة، فقد كانت و لا نفخ، فما هو النفخ من حدِّها الذاتي».
(١٠) ظهر جبريل لمريم في صورة بشرية ثم نفخ فيها كلمة اللَّه: أي أنه كان في هذه