فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٦ - الفص الرابع عشر
تعيين حدوث شي ء من الأشياء على ما هو عليه في عينه الثابتة في وقت معين، و القضاء هو حكم اللَّه في الأشياء أن تكون كيت و كيت على النحو الذي قدِّر لها أن تكون عليه. و عليه كان القدر سابقاً على القضاء. و اللَّه ينفذ حكمه في الأشياء بحسب علمه بها، و علمه بها راجع إلى ما تعطيه الأشياء نفسها مما هي عليه في ذاتها. فكأن القضاء و العلم تابعان للمعلوم، و كذلك الإرادة و المشيئة.
أما القدر، و هو تعيين الوقت، فسابق على هذه كلها. و هو راجع إلى الشي ء المقدر نفسه- المشار إليه بالمعلوم.
و يظهر أنه يستعمل كلمتي الإرادة و المشيئة بمعنيين مختلفين جرياً على عادته (راجع الفص الثالث و العشرين) مع أنه لا فرق بينهما في الاصطلاح العادي.
فالارادة عنده تتعلق بوجود ما لا وجود له فقط، و لكن المشيئة تتعلق بوجود ما لا وجود له كما تتعلق بعدم ما هو موجود. و هذه التفرقة نفسها ملاحظة في القرآن الكريم الذي يظهر أن ابن عربي أخذها منه. يقول اللَّه تعالى «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً».
و يقول «وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ»، «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ»^.
(٥) «فسِرُّ القدر من أجلِّ العلوم ... فالعلم به يعطي الراحة الكلية للعالِم به، و يعطي العذاب الأليم للعالم به أيضاً».
(٥) سر القدر إما الأعيان الثابتة للموجودات الحاصلة من الأزل في العلم القديم، أو كون الموجودات تظهر في وجودها على نحو ما كانت عليه في ثبوتها. فالعلم بسر القدر إذن هو العلم بسر الوجود و حقيقته، لأن به ينكشف معنى الوجود و معنى شيئية الأشياء، و كيف ظهرت على النحو الذي ظهرت عليه. كذلك تنكشف به الصلة بين الحق و بين هذا النظام الوجودي الذي نسميه بالعالم، و يظهر للعالم به كيف يقرر كل موجود مصيرَه بنفسه. لا عجب إذن أن العلم بسر القدر مصدر راحة تامة لصاحبه و مصدر عذاب أليم له أيضاً. فهو مصدر