فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٧ - الفص الرابع عشر
راحة من حيث إنه يكشف لصاحبه أن كل ما يجري في الوجود إنما هو نتيجة للقوانين المغروسة في طبيعة الوجود ذاتها، و أن كل إنسان مقدّر عليه أن يكون ما هو عليه في الواقع، و أن يظهر بالصورة التي ظهر فيها. لا مناص من ذلك و لا معدى عنه. و من شأن هذا العلم أن يبعث في نفس صاحبه الرضا التام بكل ما يحكم به القضاء، و أن يوقفه من الوجود كله موقف التفاؤل. و أي شي ء أدعى للتفاؤل و أجلب لرضا النفس من أن تعلم أن كل ما يصد منها إنما هو من غرس يدها و من مقتضى طبيعتها، و أن كل جزاء تلقاه إنما هو جزاء عادل؟
و أي رحابة صدر بل أي تسامح أعظم من ذلك الذي يشعر به الواقف على سر القدر و هو ينظر إلى غيره من العباد و قد ضلوا سواء السبيل و ارتكبوا المعاصي و الآثام؟ بل أي الناس أقبل منه لما يأتي به قضاء اللَّه المحتوم من محن و آلام، و أبعد عن الشكوى و لو كانت إلى اللَّه؟
و لكن العلم بسر القدر كما يورث صاحبه كل الراحة و الطمأنينة النفسية و التفاؤل، يورثه، من ناحية أخرى الألم و القلق و التشاؤم، لأنه يرى في الكون شقاءً كثيراً و آلاماً مبرحة و معاصي ترتكب ضد أوامر الدين و نواهيه، و لكنه قد لا يعلم في الوقت نفسه إذا كان الخلاص من كل هذه الشرور و قد قُدِّر أيضاً في طبيعة الوجود كما قدرت الشرور ذاتها.
و العلم بسر القدر من مكنونات أسرار اللَّه وحده، و لكنه قد يطلع عليه من يختصه بفضله من عباده، و هؤلاء قد يقفون على سر القدر مجملًا أو مفصلًا، و بذلك يعلمون ما في علم اللَّه، و تنكشف لهم أعيان الموجودات الثابتة و انتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى. و بذلك يأخذون العلم بحقائق الأشياء من نفس المعدن الذي يأخذ اللَّه منه علمه بها. راجع الفص الثاني.
(٦) «و به وصف الحق نفسه بالغضب و الرضا، و به تقابلت الأسماء الإلهية».
(٦) سر القدر هو القانون المتحكم في الوجود كما قلنا، و من أجله وصف الحق