فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٨٩ - الفص الخامس عشر
العين الجارحة و إنسان العين أو العين الباطنة و إنسانها الذي هو موضع السر منها، و إما أن يفهما بمعنى الذات الإلهية و العالم: العين الذات، و الإنسان الإنسان الكبير العالم. و اللبس واقع حتى في كلمة «إنّا» فقد يكون المراد بها الجنس البشري، الإنسان الذي هو أكمل المخلوقات، و قد يكون المراد بها المخلوقات كلها أو ما يطلق عليه سوى اللَّه. و لكل من هذه التفسيرات أساس من كلام ابن عربي نفسه.
فالبيت إذن يحتمل أحد التأويلين الآتيين:
١- إنك إذا تكلمت عن الإنسان الذي هو الإنسان الكبير أو العالم فاعلم أنه عين الذات الإلهية لا غيرها، و هو عينها من حيث هو ظاهرها و هي باطنه. أو إن شئت فقل إن العالم عين الأسماء الإلهية التي هي عين الذات.
٢- إنك إن تكلمت عن الإنسان الذي هو الجنس البشري فاعلم أنه من حيث كمال صورته التي تتجلى فيها جميع كمالات الحق، عين الحق التي يرى بها نفسه في مرآة الوجود. و قد أشار إلى هذا المعنى ذاته في الفص الأول في قوله: «لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها:
و إن شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كله إلخ إلخ». فبالانسان تحققت الغاية من الوجود و هي أن يُعْرَف الحق، و هو يعرف عن طريق الإنسان الذي يعرف الحق في نفسه و في غيره: فهو عينه لأنه أكمل مجلى من مجاليه، و هو له بمثابة العين الباصرة الذي يدرك بها صاحبها ما حوله من الوجود.
و إلى هذا المعنى أيضاً أشار الحسين بن منصور الحلاج في بيتيه المشهورين.
|
سبحان من أظهرنا سوتُه |
سرَّ سنا لاهوته الثاقب |
|
|
حتى بدا لخلقه ظاهراً |
في صورة الآكل و الشارب |
|