فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٩٩ - الفص الخامس و العشرون
قوله بصدق إيمان فرعون و نجاته من عذاب الآخرة، لأنه بذلك قد تحدي كل ما ورد في القرآن من الآيات الخاصة بكفر فرعون و ادعائه الألوهية، و ما أُعِدَّ له و لآله من صنوف العذاب في الآخرة. و لكننا قد رأينا أن لابن عربي أسلوبه الخاص في التأويل و الإشارة، و أنه بالرغم من استشهاده بنصوص القرآن الواردة في حق الأنبياء أو غيرهم، و استقصائه لهذه الآيات، يؤول معانيها بما يشاء، و يرمز بألفاظها إلى ما يريد. و قد رأينا أنه رمز بتابوت موسى إلى الجسم الانساني، و باليمِّ الذي ألقِيَ فيه موسى إلى بحر المعرفة، و بموسى نفسه إلى الإنسان الكامل أو أحد التعينات الكلية الإلهية. و هو هنا يرمز بفرعون إلى النفس الانسانية الشهوانية ممثلة في أقوى صورها. فإن فرعون كان مثالًا للعصيان و الكفر و الطغيان و الادعاء و الكبرياء، و لكنه مع ذلك يمثل في نظر ابن عربي، و في نظر الحلّاج من قبله، دور الفتوة و البطولة: لأنه لم يفعل ما فعل في نظرهما إلا تلبية للأمر الإلهي التكويني الذي يخضع له كل ما في الوجود، و إن خالف بمعصيته الأمر التكليفي. فهي طاعة في صورة معصية، و نجاة في صورة هلاك.
و لا يعنينا تفصيل ما أورده ابن عربي عن إيمان فرعون أثناء غرقه من أن اللَّه قبضه ساعة توبته و إسلامه، و قوله إن الإسلام يَجُبُّ ما قبله كما ورد في الحديث، و التوبة تَجُبّ ما قبلها، و لا دفاعه عن إيمان فرعون بأنه بالفعل نطق بإيمانه في قوله: «آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ». و لم يرد نص في القرآن بعدم قبول إيمانه هذا. لا يعنينا كل ذلك، فإن مثل هذه التفاصيل يوردها لتدعيم الفكرة الأساسية في مذهبه، و هي أنه لا ثواب و لا عقاب على ما يصدر من العباد من أعمال أو يعتقدونه من عقائد.
و إنما النعيم المقيم إنما هو في معرفة العبد حقيقة نفسه و منزلتها من الوجود العام، و شقاء العباد إنما هو في غفلتهم عن هذه الحقيقة. و لكن لا خلود في النار- نار الحجاب هذه- لأن هذه الحقيقة لا بد أن تتجلى للعبد بعد خلاصه من قيود