فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٨ - الفص الثاني
صور الحق و وجودها العيني عند ما توجد صورة من صور وجوده. و لكن اللَّه- الذات المطلقة- ليس له من حيث إطلاقه و غناؤه الذاتي عنها و عن غيرها نسبة ما إليها و لا لها هي نسبة إليه. فليس فيها من ذلك المطلق شي ء. و ليس فيها مما يحقق وجودها إلا طبيعتها الخاصة.
فما في موجود من الموجودات شي ء من اللَّه (المطلق) عينه على النحو الذي تعين به، و إنما وجود كل شي ء راجع إلى نفسه. و وجود الأشياء في الصور التي هي عليها هو الفيض الثاني أو الفيض المقدس. فإذا فهمنا العبارة السابقة من ناحية صلتها بهذا الفيض، ارتفع التناقض الظاهري بينها و بين مذهب المؤلف في وحدة الوجود.
على أنه يمكن تفسير العبارة بمعنى آخر يتمشى تماماً مع مذهب ابن عربي العام و يتأيد بما أورده هو بالفص العيسوي. و ذلك أن اللَّه عنده هو الوجود المطلق، و كل موجود من الموجودات صورة له. و الصورة- إذا أخذت في جزئيتها- ليست اللَّه في إطلاقه. و إذن فليست الصورة هي اللَّه و إن كانت مجلى له و قد كفر الذين قالوا إن اللَّه هو المسيح عيسى بن مريم لأنهم حصروا الحق الذي لا تتناهى صوره في تلك الصورة الجزئية المعينة، و كان الأولى بهم أن يقولوا إن المسيح صورة من صور الحق التي لا تتناهى.
على أن ابن عربي لا يكتفي بنسبة التحقق في الوجود إلى ذوات الأشياء نفسها، بل ينسب إليها أيضاً كل وحي و كل علم إلهامي أو ذوقي. فلا منبع لعلم في الإنسان إلا نفسه. و في هذا يقول: «فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقي إليه ما لم يكن عنده من المعارف، و تمنحه ما لم يكن قبل ذلك في يده، فتلك الصورة عينه لا غيره». فالاستعداد الأزلي في الموجود هو الذي يعين وجوده و يكيّف ما يوحى إليه من العلم.
و إذا كان الأمر على ما وصفنا، فما معنى القول بأن اللَّه قادر على كل شي ء، و أنه فعال لما يريد؟ ما معنى الإمكان الذي يتكلم عنه المتكلمون؟ ما معنى أن الممكن هو ما يستوي وجوده و عدمه فإن شاء اللَّه أوجده و إن شاء لم يوجده؟ أ ليس