فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٦٦ - الفص الثاني و العشرون
المؤثر و الأخرى للمجيب المتأثر، كما يقتضي أن التأثير للعبد و التأثر للحق و لكن الأمر في الحقيقة على خلاف ذلك: إذ عين الداعي عين المجيب بالرغم من اختلاف صورتيهما. نعم توجد صورتان: إحداهما كونية إنسانية و هي صورة الداعي، و الأخرى إلهية أسمائية و هي صورة المجيب، و لكنهما صورتان لحقيقة و عين واحدة. و ليس التأثير المعزو إلى الأولى معزوا إليها من حيث هي صورة كونية إنسانية، بل من حيث هي مجلى من مجالي الحق: أي أن المؤثر على الحقيقة هو اللَّه. و أما المتأثر فهو العبد لظهور أحكام الإجابة فيه. و خلاصة القول أن الأمر في نفسه وحدة في كثرة أو كثرة في وحدة، و أن التفرقة بينهما تفرقة اعتبارية محضة.
و لما قرر هذه المسألة التي هي لب مذهبه و جوهره و المحور الذي يدور عليه جميع تفكيره أخذ يتلمَّس لها أنواعاً من التشبيه و التمثيل لا تزيدها في الواقع إلا غموضاً و تعقيداً. و غاية ما يقال فيها أنها أقيسة مع الفارق. فقد شبه النسبة بين العين الوجودية الواحدة و الصور المتكثرة المتغايرة بالنسبة بين النفس الواحدة الشخصيّة و بين بدنها المتكثر بصور أعضائه. فزيد مثلًا حقيقة واحدة و لكنه كثير بصور أعضائه. فهو كثرة في وحدة أو وحدة في كثرة. و كل صورة من صور أعضائه مختلفة متغايرة عن الصورة الأخرى، كاليد التي تختلف عن الرجل و عن الرأس. و لكن هذه الكثرة الصورية يتألف منها كلُّ واحد هو زيد. و في هذا التمثيل من التضليل ما فيه: أولًا لأنه يصور المسألة تصويراً مادياً و يجعل النسبة بين الحق و الخلق أشبه بنسبة الكل المادي إلى أجزائه، و هذا ما لا يرضاه ابن عربي نفسه لأنه لا يرمي مطلقاً إلى هذا التفسير المادي للوجود، ثانياً إن من الصعب أن نفهم أن صورة يد زيد أو صورة رجله أو أي عضو من أعضائه إنما هي مجلى لزيد بنفس المعنى الذي به يقال إن صورة كيت و كيت من صور الممكنات مجلى للحق، بدليل أننا نستطيع أن نقول- في عرف أصحاب وحدة الوجود- إن كذا من الموجودات هو الحق- أي أنه صورة للحق- و لا