فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢١٧ - الفص السادس عشر
بالشرع من نفس المعدن الذي يستمد منه الرسول. فهم يأخذون علمهم عن اللَّه مباشرة، و بألسنتهم ينطق اللَّه. يقول ابن عربي في وصف نوع من أنواع الفتح على الولي «و يكون التنزل على صاحب هذا الفتح من المرتبة التي نزل فيها القرآن خاصة ... فإن كلام اللَّه لا يزال ينزل على قلوب أولياء اللَّه تلاوة، فينظر الولي ما تلِي عليه مثل ما ينظر النبي فيما أنزل عليه فيعلم ما أُريد به في تلك التلاوة كما يعلم النبي ما أنزل عليه فيحكم بحسب ما يقتضيه الأمر»[١] و هذا هو المعنى الذي أشار إليه فيما سبق عند ما ذكر النبوة العامة- لا نبوة التشريع- و قال إنها لم تنقض بموت النبي. و غني عن البيان أن هذا النوع من العلم لا يصدق عليه اسم «علم الاجتهاد» بأي معنى من معانيه، لأنه لا معنى لاجتهادٍ الحكمُ فيه نتيجة للوحي و لا يكون لصاحبه من الأثر فيه إلا تلقي ما يوحى به إليه.
هذا النوع من العلم الاجتهادي هو الذي يذكره ابن عربي في محاذاة علم سليمان.
و أما النوع الثاني فهو الاجتهاد المخطئ الذي لا يأتي موافقاً لحكم اللَّه في مسألة من مسائل الدين. و هو وليد التفكير و الاستدلال لا الوحي أو الإلهام، و قد ذكره في محاذاة علم داود.
و لصاحب النوع الأول عنده أجران: أجر لاجتهاده، و أجر لأنه أصاب في اجتهاده. أما صاحب النوع الثاني فليس له إلا أجر واحد لاجتهاده فقط.
(١٥) «فنحن معه بالتضمين، و هو معنا بالتصريح».
(١٥) لما كان كل ما هو موجود مظهراً و مجلى للوجود الحق، و أعيان الممكنات باقية على حالة عدمها أو موجودة بالوجود الحق، كان الحق مَعَنَا (أي الموجودات) ظاهراً صريحاً كما قال: «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ» و كانت أعياننا معه باطناً و ضمناً. هذا إذا فهمنا التصريح و التضمين بمعنى الظهور و البطون أو
[١] الفتوحات ج ٢ ص ٦٦٦ س ١٠ و ما بعده.