فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٥٩ - الفص الثاني و العشرون
و يرى ابن عربي أنه يمكن فهمها على وجهين: الوجه الأول باعتبار كلمة «اللَّه» الثانية خبراً لرسل اللَّه. فكأنه يريد بهذا الوقف على أوتي، و يجعل «رسل اللَّه» جملة خبرية تامة. و يجعل أعلم خبراً لمبتدإ محذوف تقديره هو أعلم حيث يجعل رسالته. و هذا التفسير نص في وحدة الوجود لأنه يجعل رسل اللَّه صوراً أو مجالي للَّه و يجعل اللَّه الذات المتجلية في هذه الصور، و هو تفسير بعيد عن روح القرآن، كما أنه بعيد عن ذوق اللغة و لكنه متمش تماماً مع منطق مذهب المؤلف الذي يأخذ تفسير الآية على هذا الوجه دليلًا على فكرته في التشبيه المقابل للتنزيه.
و يستدل بعض الشراح على إمكان هذا التفسير ببعض الآيات القرآنية التي يشتم منها رائحة وحدة الوجود، مثل قوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ» (قرآن ٤٨ آية ١٠)، و قوله «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» (سورة ٤ آية ٨٠).
و الوجه الثاني هو الوقف على «اللَّه» الأولى و اعتبار «اللَّه» الثانية مبتدأ خبره أعلم حيث يجعل رسالته. فكأن معنى الآية أن الكفار إذا جاءتهم آية ما جديدة رفضوها و قالوا لن نؤمن حتى نؤتى من الآيات مثل ما أوتي رسل اللَّه، و لكن اللَّه يعلم حيث يضع رسالته. و هذا هو المعنى المفهوم عادة من الآية و لا أثر لفكرة وحدة الوجود فيه. و إذا أخذنا التفسير الأول على أنه دليل التشبيه، فإننا لا بد أن نأخذ التفسير الثاني على أنه دليل التنزيه، لأنه يشير إلى التفرقة بين الحق و الخلق- بين اللَّه و رسله- حيث تنمحي هذه التفرقة على التفسير الأول. و قد أراد ابن عربي بإيراد هذين الوجهين الإشارة إلى أن بعض آيات القرآن تحمل التشبيه و التنزيه معاً، و هذه واحدة منها.
(٣) «و بعد أن تقرر هذا فنرخي الستور و نسدل الحجب على عين المنتقد و المعتقد».
(٣) بعد أن شرح أن الحقيقة الوجودية يجب أن يراعى فيها جانبا التشبيه و التنزيه معاً و أن مراعاة أحدهما دون الآخر يؤدي لا محالة إلى علم ناقص بحقيقة الأمر