فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٤١ - الفص الثاني عشر
هو المولى أو الإنسان الكامل الذي تحققت فيه كل صفات الوجود فكان مظهراً تاماً و كوناً جامعاً لها. و القلب من رحمة اللَّه لأنه شي ء من الأشياء التي وسعتها الرحمة الإلهية في قوله تعالى: «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ»، أي هو شي ء من الأشياء التي منحها اللَّه الوجود نعمة منه و فضلًا، إذ جرينا على تفسير الرحمة الإلهية في هذا الكتاب بمعنى إسباغ اللَّه الوجود على الأشياء. و رحمة اللَّه التي وسعت كل شي ء في الوجود- أي في الوجود المخلوق أو في عالم الوجود الإضافي- لا تسع الحق تعالى لأن وجوده لا يوصف بأنه ممنوح أو معطى، بل هو له من ذاته و واجب له لذاته. و لكن قلب العارف يسع الحق بدليل قوله تعالى: «ما وسعني أرضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن». و لهذا كان القلب أوسع من الرحمة.
بأي معنى إذن و على أي وجه وسع قلب العارف الحقَّ جل جلاله؟ هذه مسألة ظهر فيها اختلاف بين الصوفية لاختلاف مشاربهم و مذاهبهم. أما أهل السنة منهم فيذهبون إلى أن قلب المؤمن الصادق في إيمانه لا يتسع لشي ء من الأشياء مع الحق لأنه مشغول به عمن سواه. فهو لا يفكر إلا في الحق و لا يرى شيئاً سوى الحق و لا يخطر به خاطر إلا كان متصلًا بالحق. فني عن نفسه و عن كل ما سوى الحق و بقي بالحق وحده. و هذا رأي عامة الناس و طريقتهم في فهم احتواء القلب للحق.
و أما الخاصة- و المقصود بهم دائماً صوفية وحدة الوجود- فيفهمون احتواء قلب العارف على الحق بأحد الوجهين الآتيين:
الأول: أن قلب العارف يشاهد الحق في كل مجلى و يراه في كل شي ء و يعبده في كل صورة من صور المعتقدات. فهو هيولي الاعتقاد كلها كما أشار إليه من قبل. فهو يحتوي الحق بمعنى أنه مجتمع صور الاعتقادات في الحق. و المراد بالحق هنا «الحق المخلوق في الاعتقاد» لا الحق من حيث هو في ذاته. و في هذا المعنى قال ابن عربي: