فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢٤ - الفص السابع و العشرون
في صور أفراده، فمحمد هو الإنسان الباطن المتعين في العالم المعقول.
و قد اختلف شراح الفصوص في تفسير قوله: «و الدليل دليل لنفسه». فيقول القيصري (ص ٢٩٣) «اللام في الدليل للعهد، أي هذا الدليل الذي هو الروح المحمدي هو دليل على نفسه في الحقيقة، ليس بينه و بين ربه امتياز إلا بالاعتبار و التعين. فلا غير ليكون الدليل دليلًا له»: أي أن الحقيقة المحمدية ليست دليلًا على ربها، بل هي دليل على نفسها، لأنها هي و الحق حقيقة واحدة لا فرق بينهما إلا بالاعتبار. و يذهب «بالي» إلى أن اللام في كلمة «الدليل» للاستغراق لا للعهد، أي فكل فرد من أفراد الدليل أو نوع من أنواعه دليل على الرب من حيث هو دليل على النفس. و بهذا نفهم معنى الحديث «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (بالي ص ٤٢٠- ٤٢١). أما «جامي» فيفسرها بقوله «و الدليل- أي دليل كان- فإنما هو دليل لنفسه، أي دلالته على مدلوله ذاتية لا يُحتاج فيها إلى ما سواه، و كذلك دلالته صلى اللَّه عليه و سلم ذاتية لا احتياج له فيها إلى غيره بخلاف سائر الموجودات».
و هذا هو التفسير الذي أخذت به. (راجع شرح جامي على الفصوص ج ٢ ص ٣٣٦).
(٤) «و معرفة الإنسان بنفسه مقدَّمة على معرفته بربه ... إلى قوله فافهم».
(٤) مقدَّمة معناها متقدمة سابقة على معرفته بربه. و قد ذاع بين الصوفية الاستشهاد بما ادعوا أنه حديث نبوي، و هو قوله عليه السلام «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، و أكثروا القول فيه و التعليق عليه. أما ابن عربي فيفهم هذا الحديث فهماً خاصاً يتمشى مع مذهبه في وحدة الوجود. فليست معرفة الإنسان بنفسه وسيلة لمعرفته بربه من حيث إنه يدرك قدرة اللَّه و عظمته عن طريق إدراكه لنفسه، و ما أودع اللَّه فيها من أسرار الخلق و عجائبه. بل إنه يعرف ربه بمعرفته نفسه، و يجهل من ربه بمقدار ما يجهل من نفسه، لأن نفسه هي المظهر الخارجي لربه، أو هي المرآة التي يتجلى فيها ربه