فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٠٨ - الفص الخامس و العشرون
آية ٢٣). و السؤال «بما» سؤال عن الماهية، فكأنه بذلك أراد أن يظهر موسى أمام قومه بمظهر العجز: لأن السؤال عن الماهية الإلهية لا جواب له كما سيتضح فيما بعد. و لم تخف على فرعون الحقيقة: أي أنه لم يكن يجهل أن اللَّه لا يُسْأل عن ماهيته لأنه لا يمكن وضع تعريف له و لكنه أراد إحراج موسى و اختباره لمعرفة صدق دعواه. لذلك سأل هذا السؤال، و هو سؤال إيهام، ليظهر للحاضرين من قومه ما انطوت عليه نفسه من إيراد مثل هذا السؤال، أعني إظهار عجز موسى.
و السؤال الذي سأله فرعون محتمل إجابتين: الأولى أن يقول موسى إن الماهية الإلهية لا تُعْرف، و الثانية أن يقول كما قال «رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ». و في كلتا الحالتين يستطيع فرعون أن يظهر لقومه أن موسى لم يجب، فيكون في ذلك انتصاره عليه. هذه هي خلاصة المسألة كما يبسطها المؤلف. و مراده منها أن يظهر أن الحقيقة الإلهية بسيطة لا تقبل التعريف، و أن كل ما يقبل التعريف مركب من الجنس و الفصل كما نقول في «الإنسان» إنه «الحيوان الناطق»، فندخله في جنسه القريب- الحيوان- و نميزه عن غيره من الأنواع الأخرى المشتركة معه في ذلك الجنس بأن نضيف إلى الجنس الفصلَ النوعي الذي هو «الناطق». و الحقيقة الإلهية لا جنس لها، إذ لا يشترك معها غيرها في حقيقتها، و إذن فلا تعريف لها. فلم يبق إلا أن يعرَّف الحق بمثل ما عرَّفه به موسى: أي بإظهار لوازمه البيِّنة و هي العالم.
و لذلك قال: «رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا»، أي الظاهر أثره في السموات- و هي كل ما علا- و الأرض، و هي كل ما سفل، و ما بينهما:
أي ما كان وسطاً بين العلو و السفل و هو عالم المثال. و بذلك حصر جميع الموجودات الروحية و المادية. و قال فيما بعد «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما» للدلالة على ما ظهر و ما بطن من أنواع الوجود. فلم تكن إجابة موسى إجابة عن ماهية الذات الإلهية، بل عن هذه الذات من حيث ما ظهرت به، أو ظهرت فيه، من صور العالم.