فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٩٨ - الفص الثامن
التي وضعها الخلق لصلاحهم في دينهم و دنياهم. و من هذه القوانين الحكمية نظم الرهبانية التي نزلت في حقها الآية: «وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلخ». و يرى ابن عربي أن اللَّه قد اعتبر و أقر هذا الدين الذي وضعه الخلق، مخالفاً في ذلك جمهور المفسرين الذين يفهمون من الآية إنكار الرهبنة. و الدين المعروف المعهود هو الأول، و هو الذي أتت به الرسل من عند اللَّه و اصطفاه اللَّه على غيره من الأديان بدليل قوله: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ».
و لكن اللَّه تعالى يقول: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ»، و يقول: «فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ». و الإسلام الانقياد، فمعنى «الدين» إذن الانقياد، و الانقياد من عمل العبد: فالدين من عمل العبد. أما الذي من عند اللَّه فهو الشرع الذي ينقاد إليه العبد.
بهذا المعنى اذن تستوي الأديان كلها لأنها تشترك في ذلك المعنى العام الذي هو الانقياد، و بهذا المعنى أيضاً نقول ان الأديان كلها من عمل العبد. و لهذا قال:
«فالعبد هو المنشئ للدين، و الحق هو الواضع للأحكام». و قال فيما بعد:
«فالدين كله للَّه، و الدين منك لا منه إلا بحكم الأصالة»: أي فالدين كله انقياد للَّه، و لكنه صادر منك لا من اللَّه لأن الانقياد عملك، و لا ينسب إلى اللَّه إلا بحكم أنه أصلك و أنت مظهره.
غير أن الانقياد في الحقيقة ليس قاصراً على العبد، فإن عمل العبد من طاعة أو معصية يقتضي الجزاء بالثواب أو بالعقاب، أو بطلب التجاوز و العفو في حالة المعصية، و لا بد من ذلك. فحال العبد إذن لها حكمها في الحق إذ أنها تؤثر فيه فتجعله ينقاد هو أيضاً فيثيب العبد أو يعاقبه أو يعفو عنه. هذا هو الدين بمعنى الجزاء. بعد هذا كله: أي بعد أن شرح المؤلف الدين بمعنى الانقياد و الدين بمعنى الجزاء، و بعد أن بيَّن الانقياد من جانب العبد و الانقياد من جانب الحق، ضرب بكل ذلك عرض الحائط و قال: «و لكن هذا لسان الظاهر»: أما باطن المسألة و حقيقتها فتفسير يعطيه لها مستمد من نظريته في وحدة الوجود. ليس الجزاء