فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٤٢ - الفص الثاني عشر
|
عقد الخلائق في الإله عقائداً |
و أنا اعتقدت جميع ما عقدوه |
|
الثاني: أن العارف هو الإنسان الكامل الذي جمع كل صفات الوجود في نفسه فكان بذلك صورة كاملة للحق. و لما كان قلب العارف بمثابة المرآة التي ينعكس عليها وجوده الذي هو صورة مصغرة من وجود الحق، شاهد الحق في مرآة قلبه و هذا معنى احتواء قلبه عليه. و لا يحتوي قلب إنسان آخر- بل و لا قلب موجود آخر- الحق بهذا المعنى لأنه لا ينعكس على مرايا قلوبهم إلا صور ناقصة للحق ينتزعونها من صور وجودهم الخاصة.
(٣) «و رحمته لا تسعه. هذا لسان العموم من باب الإشارة، فإن الحق راحم ليس بمرحوم فلا حكم للرحمة فيه».
(٣) المسألة هنا: هل الرحمة تسع الحق كما تسع الخلق: و هل لها حكم في الحق؟
يقول إن لغة العموم- و هي لغة أهل الظاهر تثبت أن الرحمة لا تسع الحق لأنه راحم غير مرحوم: اي منْح الوجود للأشياء- و هو المراد بالرحمة- من فعل الحق، أما الحق فلا يوصف بأنه مرحوم بهذا المعنى. هذا إذا نظرنا إلى الحق في ذاته، أما إذا نظرنا إليه من حيث تجليه في صور الممكنات و ظهوره بها فللرحمة حكم فيه أيضاً، فإن الوجود يفيض على هذه الممكنات فتظهر بالصور التي هي عليها، و هذا هو الرحمة بعينها. هذه هي لغة أهل الخصوص التي شرع بعد ذلك في شرحها. و لم يزد في هذا الشرح على ما ذكره سالفاً و كرره مراراً من انتشار النفس الرحماني على صور الموجودات و ظهور الحق بمظاهرها: و انتهى من كل هذا إلى أن الرحمة الإلهية قد وسعت الحق أيضاً، بل هي أوسع من القلب أو مساوية له في السعة. راجع ما ذكر عن المعنى الخاص للرحمة في الفص الأول و الفص السادس عشر و ما ذكر عن العطايا و المنح في الفص الثاني.
(٤) «فالألوهية تطلب المألوه و الربوبية تطلب المربوب».