فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٦ - الفص الثالث
إن قلت بالتنزيه المطلق وحده قيدت الحق لأن كل تنزيه فيه معنى التقييد.
و إن قلت بالتشبيه وحده، قيّدت الحق و حصرته. و الصحيح أن تقول بالتنزيه و التشبيه معاً من وجهين مختلفين، و هذا هو ما تقتضيه المعرفة الصوفية. إن الذين يثبتون وجود الحق و الخلق- اللَّه و العالم- على أنهما وجودان مختلفان و حقيقتان منفصلتان مشركون. و الذين يقولون بوجود حقيقة واحدة مفردة موحدون.
فإن قلت بالاثنينية فاحذر التشبيه و إلا وقعت في التجسيم. و إن قلت بالفردية، فاحذر التنزيه المطلق، لأن في ذلك إغفالًا لوجود العالم الذي هو أحد وجهي الحقيقة الفردية.
و إذا فهمت من التنزيه الإطلاق، و من التشبيه التقييد، و نظرت إلى الحق على أنه في عين الوجود مسرَّحاً و مقيداً، أدركت أنك هو من وجه، و أنك لست هو من وجه. قارن ما ورد في الفص السابع في الصلة بين الحق و الخلق.
و يلتمس ابن عربي- كعادته- أساساً من القرآن يبني عليه نظريته في التنزيه و التشبيه فيقول: إن قوله تعالى «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ، وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» تعبر عن هذا المعنى أحسن تعبير. فإننا إما أن نعتبر الكاف في قوله «كَمِثْلِهِ» زائدة و بذلك يصبح معنى الآية ليس مثله شي ء و هو تنزيه- و باقي الآية و هو قوله «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» تشبيه لأنه وصف للحق بأوصاف المحدثات التي تسمع و تبصر. و إما أن نعتبر الكاف في قوله «كَمِثْلِهِ» غير زائدة، و بذلك يصبح الجزء الأول من الآية ليس مثل مثله شي ء، و هذا تشبيه لأنه أثبت المثل للَّه و نفى مثل المثل. و قوله «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» تنزيه بمعنى أنه وحده الذي يسمع و يبصر في صورة كل من يسمع و يبصر. فالآية- في نظره- تجمع بين التنزيه و التشبيه في كلتا الحالتين.
(٥) «فإن القرآن يتضمن الفرقان».
(٥) استعملت الكلمتان في القرآن للدلالة على التنزيل الحكيم، أما ابن عربي