فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٤١ - الفص الثالث
أما تسمية هذه الحيرة بالحيرة المحمدية فلسببين: الأول ما ذكرناه من أن ابن عربي يعتبر القول بالتنزيه و التشبيه بالمعنى الذي يفهمه منهما في مذهبه في وحدة الوجود عقيدة محمدية. و الثاني استناداً إلى الحديث الذي أورده الصوفية من أن النبي صلى اللَّه عليه و سلم قال: «رب زدني فيك تحيراً».
ظهر إذن أن الحيرة حيرتان حيرة الجهل التي تورث الارتباك و الألم و تولد اليأس و هي حيرة الفلاسفة الذين يعتمدون في فهم الوجود على العقل وحده.
و إليهم أشار ابن عربي بقوله: أصحاب الطريق المستطيل أي غير الدائري. و لم يستعمل كلمة المستقيم بدلًا من المستطيل لاحتمال أن يفهم من كلمة المستقيم معنى الصواب. و الحيرة الأخرى حيرة العارف باللَّه- و هي التي طلب النبي الزيادة منها، لأن العارف بالحق، المشاهد لتجليه في مرآة الوجود، يفيض قلبه نوراً إذ تنعكس على صفحته تلك التحليات و يستولي عليه نوع من الحيرة، و لكنها حيرة العجب و الدهشة، و حيرة السعادة العظمى، و حيرة الوصول إلى المأمول لا حيرة الحرمان لعل لحظة من لحظات تلك الحيرة هي التي أنطقت الحسين بن منصور الحلاج حينما قال شطحته المشهورة: «أنا الحق! فإنني ما زلت أبداً بالحق حقاً».
(١٠) «قال نوح رب ما قال إلهي ... ثبوت التلوين».
(١٠) الربوبية صفة للَّه من حيث كونه رباً يُدعى و يستعان به و يتوكل عليه، و من حيث أفعاله و آثاره في الإنسان و في العالم برمته. و الألوهية صفة للَّه من حيث كونه إلهاً يعبد و يقدس و يجل و يكرم و يخشى إلخ. و أخص صفات الربوبية أن الرب مسئول و المربوب سائل، و أخص صفات الألوهية أن الإله معبود و المألوه عابد.
و لهذا جاءت الشريعة في العبادة باسم اللَّه و في السؤال باسم الرب. فيقول المصلي:
«اللَّه أكبر» «سبحان اللَّه» «لا إله إلا اللَّه». و يقول في الدعاء: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ» «رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ» إلخ.