فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٠٤ - الفص الخامس و العشرون
الذات. و هو للحق دون غيره من حيث هو جوهر أزلي مجرد عن جميع الإضافات و النسب إلى الوجود الظاهري. و هذا معنى قوله تعالى «فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ .
و علم له بذاته و لكن في صور أعيان الممكنات، و هو العلم الحادث المشار إليه في قوله تعالى «حَتَّى نَعْلَمَ». و يستوي فيه أن نقول إنه علم الحق بذاته في صور أعيان الممكنات، أو علم أعيان الممكنات به من حيث هو ظاهر فيها. و لا يتم كمال العلم إلا بالاثنين معاً، كما لم يتم كمال الوجود بالوجود الأزلي وحده، و لا بالوجود الحادث الذي هو وجود العالم وحده، و إنما تم بالاثنين جميعاً. فهنا موازاة تامة بين الوجود الأزلي و العلم الأزلي و الوجود الحادث و العلم الحادث: و هما في كل من الحالتين وجهان لحقيقة واحدة. و ليس حدوث العالم وجودَه من بعد عدم و لا خلقَه في زمان معين، و إنما حدوثه- كما يقول ابن عربي- هو ظهور بعضه لبعض و ظهور الحق لنفسه في صور العالم.
(١٤) «فكان الخوف مشهوداً له بما وقع من قتله القبطي، و تضمن الخوف حب النجاة من القتل».
(١٤) أي فكان خوف موسى مشهوداً له، بمعنى أنه أدركه إدراكاً مباشراً لأنه قتل القبطي. و لكن هذا الخوف لم يكن الباعث له على الفرار إلا في الصورة أما في الحقيقة فإن الباعث كان حب موسى النجاة من القتل. كذلك الحال في كل ما يصدر عن الإنسان من الأفعال و كل ما يظهر في الوجود من ظواهر لها سبب قريب مدرك مباشرة بالحس أو بالعقل، و سبب بعيد غير مدرك بالحس و لا بالعقل ادراكاً مباشراً. و السبب البعيد في حدوث أي شي ء هو الحب كما أسفلنا. و قد كان السببَ الحقيقي في فرار موسى. و لكنه لم يدركه، لأن موسى و غيره من الناس انما يعنون بالأسباب القريبة لقربها و وضوحها و اتصالها المباشر بما يعود عليهم من نفع أو يلحقهم من ضرر. ثم انه لما فرَّق بين السبب القريب و السبب البعيد كما ذكرنا مَثَّل للنسبة بينهما بالنسبة بين الجسم و الروح. فالجسم هو الجزء الظاهر المحسوس الذي تنسب إليه