فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢ - الفص الثالث
فاللَّه منزه بمعنى أنه إذا نظر إليه من ناحية ذاته فهو يتعالى عن كل وصف و كل حد و تقييد. و هو بهذا المعنى غني عن العالمين يحيط بكل شي ء و لا يحيط به شي ء و لا عِلْم، سار في كل موجود غير متعين في موجود دون آخر. فلا يصدق عليه وصف إلا الإطلاق، و في الإطلاق تنزيهه.
و لكن اللَّه من ناحية أخرى مشبه، و ذلك إذا نظرنا إليه من حيث تعينات ذاته في صور الوجود. فهو يسمع و يبصر مثلًا- لا بمعنى أن سمعه و بصره يشبهان سمع المخلوقات و بصرهم، بل بمعنى أنه متجل في صورة كل من يسمع و ما يسمع، و كل من يبصر و ما يبصر، أو أنه جوهر كل ما يسمع و يبصر. و هذا تفسير للتنزيه و التشبيه يخرجهما لا شك عن معناهما الأصلي، و لكنه تفسير لا غنى عنه- لابن عربي- في تكوين فلسفته العامة في طبيعة الوجود. هذا التفسير هو أساس قوله بأن الحقيقة وحدة و كثرة، ظاهرة و باطنة، و حق و خلق، و رب و عبد، و أنها قديمة و حادثة، و خالقة و مخلوقة إلى غير ذلك من المتناقضات التي لا يكل قلمه عن ترديدها.
و التنزيه و التشبيه بهذا المعنى متضايفان متكاملان لا يقوم أحدهما بدون الآخر. هذا إذا قلنا بثنوية الصفات: حق و خلق، إله و عالم، وحدة و كثرة.
أما إذا وقفنا عند الوحدة الوجودية فقط، فليس هنالك ما يقال!. و هذا ما يدفع بنا إلى ذكر نوع آخر من التنزيه تكلم عنه ابن عربي، و هو التنزيه الذي تتصف به الذات الإلهية في ذاتها، بعيدة عن كل تعين، مجردة عن كل نسبة إلى الوجود الخارجي. و لكن هذا التنزيه- و يظهر أنه يشير به إلى التنزيه المطلق الذي أشرنا إليه- لا يدركه عقل، و لا يمكن أن يدركه عقل، بل إن مجرد إدراك العقل له تحديد، و هو فوق كل تحديد. و لهذا قال: «اعلم أيدك اللَّه بروح منه أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد و التقييد». و ليس هذا التنزيه الذي يشير إليه إلا التنزيه المطلق. لأن التنزيه حكم، و الحكم تقييد و تحديد للمحكوم عليه. و غاية المنزِّه أن يقول إن اللَّه تعالى