فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٣ - الفص الأول
(٧) ليس الإنسان- الإنسان الكامل- هو العلة الغائيّة من الوجود فحسب، بل هو الحافظ للوجود و السبب في استمراره. أما أنه العلة الغائيّة من الوجود فقد شرحناه، و أما كونه سبب استمرار الوجود فلأن العلة إذا وجدت وجد معلولها، و إذا انعدمت انعدم معلولها الخاص، فإذا زال الإنسان من العالم، و هو المقصود بالذات من خلق العالم، لزم أن يزول العالم: أي لزم أن تنحل الصور الكونية و ترجع إلى أصلها و هو الذات الإلهية الواحدة. و هذا معنى قول المؤلف «و انتقل الأمر إلى الآخرة» إذ المراد بالآخرة ذات الحق التي عنها صدر كل شي ء و إليها يرجع كل شي ء، بالدنيا، العالم الخارجي: عالم الظواهر. و خلاصة الفقرة أنه إذا زالت علة ظهور الحق في صور الوجود زال العالم الذي هو مجموع هذه الصور و بقيت الذات الإلهية وحدها غير ظاهرة في شي ء و لا معروفة لأحد.
(٨) «و ليس للملائكة جمعية آدم ... تقديس آدم».
(٨) ليس للملائكة جمعية آدم لأنهم لا تتمثل فيهم جميع الأسماء الإلهية التي تتمثل في الجنس البشري. و لذلك لما علَّم اللَّه آدم الأسماء كلها- و علَّم هنا مأخوذة بمعنى أظهرها فيه- و جعله خليفة عنه في أرضه، أنكر الملائكة الذين لم يدركوا سر ذلك الأمر منزلة آدم و قالوا «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ؟» و كل شي ء في الوجود يسبح اللَّه و يقدسه بحسب منزلته من الوجود و بحسب ما أودع اللَّه فيه من مظاهر أسمائه، لأن التسبيح و التقديس هنا ليس معناهما إلا إظهار الكمال الإلهي الذي يتجلى في الموجود بمقتضى طبيعة الموجود نفسه.
و لذلك قال تعالى «وَ إِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» لأن الشي ء لا يفقه تسبيح غيره و تقديسه للَّه إلا إذا كان ذلك الغير مماثلًا له في طبيعته، و لهذا لم تفقه الملائكة تسبيح آدم و لا تقديسه، و لا هي سبحت اللَّه و قدسته تسبيح آدم و تقديسه.