فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧٤ - الفص الثاني و العشرون
المجردة في فلك الشمس (راجع الفص الرابع)، و نشأة عنصرية أرضية عند ما نزل إلى الأرض و أرسل إلى بعلبك باسم النبي إلياس. و لكنا ذكرنا (تعليق ١ فص ٢٢) أن إدريس ليس إلا رمزاً للعقل الإنساني في حال تجرده عن علائق البدن و توجهه نحو المعرفة الكاملة باللَّه. و الآن نضيف أن (إلياس) و هو الاسم الثاني له، ليس إلا رمزاً للعقل نفسه في حال اتصاله بالبدن و خضوعه لشهواته و حاجاته. و لذلك قال إن من أراد أن يعرف الحكمة الإلياسية الادريسية يجب أن يتحقق في نفسه بالحالتين جميعاً: أي يجب أن يتحقق أولًا بحيوانيته المطلقة ثم يرقى تدريجياً في سلم التجريد حتى يصبح عقلًا صرفاً فيحصل له التحقق بالنشأتين على الوجه الأكمل، و ينكشف له ما انكشف لإدريس و إلياس. و في كلام ابن عربي في هذه المسألة وصف دقيق للمعراج الروحي و الترقي الصوفي لم يذكره في أي فص آخر من فصوص هذا الكتاب.
و يظهر أنه يرى البلية العظمى في الطريق الصوفي- حيث يكون الحجاب بين السالك إلى اللَّه و بين الحقائق الكشفية أكثف ما يكون- إنما هي الحال التي يتعلق العقل فيها بالبدن و شواغله بحيث لا يتخلص السالك في الطريق من عقله فيكون حيواناً صرفاً، و لا يتجردُ من بدنه فيكون عقلًا صرفاً. أما إذا تحقق السالك بحيوانيته ثم ارتقى إلى مقام الكشف العقلي فإنه ينكشف له في الحالين أمور لا مجال لانكشافها في الحالات الأخرى- حالات اشتغال العقل بمطالب البدن. و لذلك يرى ابن عربي أن المريد في بدء حياته الصوفية يجب أن ينزل تدريجياً عن حكم عقله و لا يجعل له سلطاناً عليه، و لا يعمل عقله في التفكير في شي ء من الأشياء، بل يدعه غفلًا من كل شي ء عاطلًا من كل عمل حتى يتحقق بحيوانيته.
و عندئذ يصاب بالخرس فلا يستطيع النطق بأمر من الأمور إذا أراد، و لا يقدر على تفسير ما يرى و ما يشعر. و في الوقت نفسه يحصل له نوع خاص من الكشف هو بعينه ما يحصل لغير العاقل من الدواب و الأنعام، كأن يطلع على أحوال الموتى بالتنعيم و التعذيب و غير ذلك. ثم ينبغي له أن ينتقل مرة أخرى إلى مقام