فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٧٣ - الفص الرابع عشر
إلى أبعد من ذلك كما يدل عليه الفص فيما بعد، فيضع العلم الباطن في درجة أعلى من علم الشرع الذي هو علم الظاهر كما فعل أوائل الصوفية، و يعتبر أي رسول من حيث هو ولي أتم و أكمل منه من حيث هو رسول أو نبي: أي أن الولي فوق الرسول و النبي في شخص واحد، لا أن مطلق ولي أفضل من مطلق نبي أو رسول كما فهم بعض الكتاب خطأ.
(١٠) «و الولي اسم باق للَّه تعالى، فهو لعبيده تخلقاً و تحققاً و تعلقاً».
(١٠) «الولي» اسم من أسماء اللَّه كما قلنا، و لكنه يطلق على العبد أيضاً إذا اكتملت فيه صفات الولاية و وصل إلى مقامها. و أخص صفات الولاية الاسلامية في نظر ابن عربي هي الفناء في اللَّه و التحقق بالوحدة الذاتية بين الحق و الخلق. فإذا وصل الصوفي إلى هذا المقام فقد وصل إلى غاية الطريق الصوفي كما يرسمه متصوفه وحدة الوجود، و حق له أن يسمي نفسه لا باسم الولي وحده، بل بأي اسم من الأسماء الإلهية. و للفناء عندهم درجات لكل منها اسم خاص: فإذا فني الصوفي عن صفاته البشرية و تخلق بصفات الألوهية سموا ذلك تخلقاً، و إن فني عن ذاته و تحقق بوحدته مع الحق، سموا ذلك تحققاً، و إن بقي بعد الفناء، و عرف أن لا وجود له و لا قوام إلا باللَّه و حصل في مقام القرب الدائم منه، سموا ذلك تعلقاً.
و لكن ابن عربي قد استعمل هذه الألفاظ الثلاثة استعمالًا آخر في رسالة في «شرح أسماء اللَّه الحسنى»[١] فأضاف هذه الصفات إلى الأسماء ذاتها لا إلى المتصفين بها، أو اعتبرها دلالات مع نسب ثلاث بين الحق و الخلق، أو بين الواحد و الكثرة. فالتخلق هو نسبة كل اسم من الأسماء الإلهية إلى الخلق: أي ظهوره و تجليه في الكثرة الوجودية. و التحقق هو دلالته على الحق (اللَّه) من حيث ذاته. أي أن التخلق يشير إلى جهة الكثرة في حين أن التحقق يشير إلى جهة الوحدة. أما التعلق فهو دلالة الأسماء الإلهية على النسبة بين الحق و الخلق.
[١] مخطوط بالمكتبة الهندية بلندن.Loth ٨٥٦ fol .١ -٢٢