فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٧٥ - الفص الرابع عشر
و يقتحم هذه النار و يعصاه البعض الآخر. فمن امتثل أمره منهم و رمى بنفسه في النار وجدها برداً و سلاماً كنار إبراهيم و استحق بطاعته الجنة: و من عصاه استحق العقوبة بنار جهنم.
هذا لسان أهل الظاهر يردده ابن عربي في كتابه من غير أن يحاول وضع تأويل باطني عليه، و لكن لا بدّ لنا من تأويل عباراته و إلا وقع في تناقض صريح لأنه قرر في مواضع أخرى من هذا الكتاب ما يفهمه من معنى الدار الآخرة و معنى الجنة و النار و الثواب و العقاب و ما إلى ذلك.
إذا كانت الدار الآخرة في مذهبه ليست إلا الحال التي يكون عليها الموجود بعد اختفاء صورته و ظهوره بصورة أخرى، و إذا كانت الجنة و النار ليستا سوى مقامين من مقامات المعرفة بحقيقة الوجود، فما ذا يا ترى يقصد بالأطفال و المجانين و بحشرهم على النحو الذي وصفه، أمام نبي يدعوهم إلى اقتحام نار أعدها لاختيار إيمانهم به أو تكذيبهم به؟ إنني لا أرى مخرجاً من التناقض الذي يوقعه فيه أخذ هذه العبارات على ظاهرها إلا أن نفترض أن الأطفال و المجانين رمز للقاصرين عند تحصيل المعرفة الكاملة بالحق، و أن النبي الذي يرسل لهم يوم القيامة رمز للشخص الذي يرشد هؤلاء لضالين إلى معرفة الطريق المؤدية إلى اللَّه- أو هو رمز للصوفي العارف الذي يرشد مريديه، و أن النار التي يدعوهم إلى اقتحامها رمز للطريق الصوفي الشاق الذي يطالبهم بالدخول فيه، فإذا سلكوه فازوا بالمعرفة التي هي جنتهم، و إذا أبوا الدخول فيه شقوا بالجهل الذي هو نارهم
.