فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣١ - الفص الثالث
الفص الثالث
(١) «المحور الذي يدور عليه هذا الفص هو التشبيه و التنزيه وجها الحقيقة الكلية التي هي كل ما في الوجود».
(١) فليس المراد بالتشبيه و التنزيه هنا ما أراده المتكلمون عند ما تحدثوا في الصفات الإلهية فنفوها أو أثبتوها، و على أي نحو أثبتها المثبتون أو نفاها النافون، بل المراد بهما معنى آخر لم يسبق ابن عربي إليه سابق، و هو المعنى الوحيد الذي يتمشى مع نظريته العامة.
أما المتكلمون فقصدوا بتنزيه اللَّه أنه يتعالى عن كل وصف و كل حد، لأن الصفات التي يمكننا أن نصفه بها إما منتزعة من صفات المحدثات أو سلوب لها، فإذا وصفناه بصفات المحدثات ألحقناه بها و هذا محال، و إن وصفناه بسلوبها لم نصفه بشي ء، فالأوْلى بنا ألّا نصفه بوصف ما. فإن ورد في القرآن من الآيات ما يصف اللَّه بصفة تشعر بالتشبيه أو التمثيل وجب تأويله. و كذلك فعل المعتزلة أكبر المدافعين عن التنزيه مستندين إلى قوله تعالى «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ». فاللَّه يجب ألّا يوصف بصفة من صفات المخلوقات، و إن وصفه واصف فيجب ألا يكون ذلك إلا بصفة المخالفة للحوادث و ما يلزم عنها لزوماً منطقياً كالقدم و البقاء و الضرورة و الإطلاق و ما شاكل ذلك.
أما التشبيه فكان قولَ أهل السنة الذين أخذوا آيات التشبيه على ظاهرها سواء منها ما أشعر بالتمثيل أو التجسيم، و لو أنهم- تحاشياً للوقوع في تجسيم صريح- قالوا إن اللَّه يتصف بهذه الصفات، و لكن على نحو لا نعرفه- بلا كيف.
أما ابن عربي فيستعمل كلمتي التنزيه و التشبيه بمعنى «الإطلاق» و «التقيد».