فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٤٢ - الفص السابع و العشرون
عين قلب عبده، و سماعه صوت الحق يدوي في كل مكان، و استيلاء المحبوب على قلب المحب بحيث لا يرى و لا يسمع غيره كما يقول بعضهم:
|
إذا ما تجلى لي فكلي نواظر |
و إن هو ناجاني فكلي مسامع |
|
فالقسم الأول من «الفاتحة» مجموعة صفات خاصة، يتصف بها الحق وحده:
أي الحق من حيث هو معبود، لا من حيث هو في ذاته. فهو اللَّه، الرحمن الرحيم، رب العالمين، مالك يوم الدين. و العبد إذ يقرؤها يذكر اسم اللَّه و يحمده، و يثني عليه و يمجده، و يفوض الأمر إليه، و يعترف بافتقاره إليه. و القسم الثاني قوله: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ. وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ». يقول ابن عربي إن اللَّه يقول عند سماع هذه الآية من العبد «هذه بيني و بين عبدي» أي مشتركة بيني و بين عبدي، إذ العبادة مشاركة و اتصال بين العابد و المعبود: لأنها ليست فعلًا من جانب واحد، بل هي حال، بالمعنى الصوفي، يتحقق فيها العابد بوحدته الذاتية بمعبوده، فيكون فيها العابد معبوداً و المعبود عابداً. و لعل هذه الحال هي التي أشار إليها ابن عربي في قوله:
|
فيحمدني و أحمده |
و يعبدني و أعبده [١] |
|
و القسم الثالث هو من قوله تعالى: «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» إلى آخر السورة.
و هو يعبر عن صفة العبودية المحضة الخاصة بالعبد، أي افتقاره إلى الهداية إلى الصراط المستقيم. و إذا فسرنا الصراط المستقيم كما فسره في فص هود و غيره بأنه صراط الوجود الذي يسير عليه كل شي ء، ظهر معنى العبودية و الافتقار، لا في الإنسان وحده، بل في الخلق أجمع. إذ الخلق من حيث إن له صفة الإمكان مفتقر إلى الحق الذي يمنحه الوجود، فكأنه يتوجه إليه على الدوام، و يسأله بلسان حال افتقاره أن يمنحه الوجود و يهديه إلى صراطه.
[١] راجع الفص الخامس.