فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٤١ - الفص السابع و العشرون
(١٩) لعل من الغريب أن يتكلم في الصلاة رجل يقول بوحدة الوجود، أو أن يتكلم في أي نوع آخر من أنواع العبادة تتمثل فيه الصلة بين العبد و ربه. و لكن ذلك ليس بغريب على ابن عربي الذي لم يفقد عاطفته الدينية، على الرغم من قوله الصريح بوحدة الحق و الخلق، و الرب و العبد، و إن كان يكيف العبادة تكييفاً آخر يخرج بها عن مألوف معناها، و ينتهي بها إلى حال عميق من أحوال الاتصال الصوفي باللَّه. و فيما يذكره عن الصلاة في هذا الفص مثال رائع لإظهار العاطفة الدينية التي لم تتمكن وحدة الوجود من إطفاء جذوتها في قلب ذلك الرجل، و لكيفية فهمه العبادة فهماً صوفياً.
أخص جزء من الصلاة في نظره ذكر اللَّه، بل ذكر اللَّه على نحو خاص: أي المناجاة بين الحق و بين العبد الذي هو مجلاه و مظهره. قال تعالى:
«إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» (العنكبوت آية ٤٥).
يقول ابن عربي: و لذكر اللَّه أكبر، أي أكبر ما في الصلاة باعتباره جزءاً منها.
و لكن الذكر في الصلاة ليس قاصراً على ذكر العبد لربه، بل يشمل ذكر اللَّه للعبد أيضاً، و ذلك بإجابته سؤال العبد. و قد ذكر هذا المعنى فيما بعد بقوله:
«وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ يعني فيها (أي في الصلاة) أي الذكر الذي يكون من اللَّه لعبده حين يجيبه في سؤاله». يأخذ بعد ذلك في شرح هذه المناجاة بين العبد و ربه و هي لا تعدو التأمل في صفات الحق و الخلق، و إعطاء كل منهما حقه:
فإن للرب صفات يختلف بها عن العبد، و للعبد صفات تميز بينه و بين الرب.
و لذا قسم «فاتحة الكتاب» التي يعدها أعظم جزء من أجزاء الصلاة إلى ثلاثة أقسام: الأول خاص باللَّه، و الثالث خاص بالعبد، و الثاني مشترك بينهما.
و فسر هذه السورة على أنها مناجاة بين المحب و المحبوب، أولها مجالسة و حديث مع الحق، و وسطها تخيل له في قبلة المصلى، و آخرها شهود و رؤية للحق في