فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٣٩ - الفص السابع و العشرون
من الأشياء و الأفعال، أي الكلام في مسألة الحسن و القبح، و الخير و الشر، فربط المسئلتين بهذا الرباط اللفظي السقيم.
(١٧) «فما حُبِّب إلى رسول اللَّه إلا الطَّيِّب من كل شي ء، و ما ثم إلا هو».
(١٧) صرح هنا بأنه يستعمل كلمة الطيِّب مرادفة لكلمة الطَّيب لأنه بصدد الكلام عن مسألة الخير و الشر، و ما يحمد و ما يذم من الأشياء و الأفعال.
فالذي حُبِّب إلى رسول اللَّه لم يكن طيِّب الروائح، بل طيِّب الأخلاق و الأفعال و الأشياء. أما قوله: «و ما ثم إلا هو» فإشارة إلى مذهبه في طبيعة الوجود و أنه خيرٌ على الإطلاق. و خلاصة هذا المذهب أن الوجود من حيث هو، خير لا شر فيه، و حسنٌ لا قبح فيه. و أننا لا نصف الأشياء و الأفعال بالشر و القبح و الذم و ما إلى ذلك من الأوصاف، إلا لأمر عرضي. و قد حصر هذه الأمور العرضية في خمسة هي: أن يكون الوصف بالشر أو القبح أو الذم من قبيل العرف و الاصطلاح، أو يكون لمخالفة الموصوف بهذه الصفات للطبع، أو لعدم موافقته للغرض، أو الشرع، أو لقصوره عن درجة كمال مطلوب.
فالأشياء في ذاتها لا توصف بهذه الأوصاف، و إنما تلحق بها لأمور عارضة، خارجة عن ذاتها. كالثوم الذي ذكره: فإنه في ذاته لا يوصف بأنه مكروه أو مذموم، و إنما يكرهه و يذمه من يتأذى برائحته.
فحبِّب إلى الرسول الطيِّب: أي الطَّيِّب من كل شي ء، و لكن ما ثم في الوجود الا الطَّيِّب، أي ما ثم في الوجود الا الخير: لأن الوجود نَفَس الرحمن الذي هو الخير في ذاته، و لأن الخير مرادف للوجود، و الشر مرادف للعدم، فيلزم أن كل ما هو متحقق بالوجود خيرٌ.
(١٨) «و هل يتصوَّر أن يوجد في العالم مزاج لا يجد إلا الطيب ... فإنَّا ما وجدناه في الأصل الذي ظهر العالم منه و هو الحق».