فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٠ - الفص الثالث عشر
كان ذلك عين الظلم، و لكنه لم يفرض عليه شيئاً إطلاقاً، و إنما فرض على العبد الكفر عينُه الثابتة أو طبيعة وجوده: فإن كان ظلم فهو الظالم لنفسه. و يحق لنا أن نقول أيضاً، و إن كان عدل فهو العادل في حق نفسه- و لكنا عرفنا فيما سبق أن ابن عربي لا يعتبر الكفر و المعصية و لا أي نوع من أنواع المخالفة للشرع ظلماً أو فجوراً أو شراً إلا من ناحية الدين: أي من ناحية ما ورد في الشرع من أوامر و نواه. أما في ذاتها فكل أفعال العباد مرضية في نظر أربابها، مقبولة في نظر الحق، عادلة لا ظلم فيها لأنها تطابق تمام المطابقة قوانين الوجود.
بعد كل هذا ذكر البيتين الآنفي الذكر و ختم بهما الفص: و فيهما الشي ء الكثير من الغموض مما دعا إلى اختلاف الشراح في فهمهما اختلافاً كبيراً. فكلمة «الكل» الواردة في البيت الأول قد تشير إلى كل «ما هو موجود»، أو إلى كل ما ذكره قبل ذلك من الكلام عن الأمر الإلهي (الأمر التكليفي) و طاعة العبد.
و على المعنى الأول يكون معنى البيت: فكل ما هو موجود ينتسب لنا (الحق) من وجه، و ينتسب لهم (الخلق) من وجه آخر: أي أن الوجود حق و خلق، أو حق في خلق كما بيَّن ذلك مراراً. و على المعنى الثاني يكون معناه: فكل ما ذكرناه من أمر و طاعة صادر منا- لأنا نأمر العباد و نطيعهم بأن ننقاد إلى ما تتطلبه أعيانهم من حقائق الوجود و صادر منهم لأنهم يأمروننا بأن يطالبونا بما تقتضيه أعيانهم، و في الوقت نفسه هم يطيعون أوامرنا. فالأمر و الطاعة من الطرفين على قدم المساواة و كذلك يقع الإبهام في كلمة «الأخذ» التي قد تفهم بمعنى استمداد المعرفة، أو استمداد الوجود، و على المعنى الأول يستمد العبد معرفته الحقيقية من الحق. و يستمد الحق علمه بالعبد من ذات العبد و عينه الثابتة. و على المعنى الثاني يستمد العبد وجوده من الحق، و يستمد الحق وجوده الظاهر و وجود ألوهيته من الخلق. بل إن اللبس قد وقع في الضمائر الواردة في البيتين في قوله