فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦١ - الفص الثالث عشر
منا و عنا، و منهم و عنهم. فقد أخذت الضمائر على أنها كلها عائدة على المخلوقات، و أخذت على أن الضميرين في «منَّا» و «عنَّا» عائدان على الحق، و في «منهم» «و عنهم» عائدان على الخلق، و أخذت على أن الضميرين في منا و عنا عائذان على الخلق، و في منهم و عنهم عائدان على الأسماء الإلهية.
و قد فهم البيت الثاني
|
«إن لا يكونون منا |
فنحن لا شك منهم» |
|
بمعنى إن لم ينتسبوا إلى الحق، أو إن لم يتحقق وجودهم بوجوده، أو إن لم يستمدوا علمهم منه- فإن الحق لا شك ينتسب إليهم (بالمعنى المتقدم)، أو يوجد في الظاهر بوجودهم أو يستمد علمه بهم منهم.
و نستطيع أن نلخص البيتين إجمالًا في أن كل ما هو موجود بالقوة أو بالفعل له وجهان: وجه إلى الحق و آخر إلى الخلق: وجه إلى الفاعل و آخر إلى القابل، و أن الحقيقة الوجودية لا تكون إلا عن الوجهين جميعاً. فهما الصفتان المتكاملتان في «الواحد». فالربوبية و ما يلزمها من الأسماء لا وجود لها إلا بالمربوبين، و العبودية و ما يلحقها من الصفات لا تَحَقُّق لها من غير الأرباب. فكل من الربوبية و العبودية إذن لا معنى لها- بل و لا تحقق- إلا بالأخرى. و كذلك الحال في الألوهية و المألوهية. فإذا قدَّرنا أن العالم مستقل في وجوده عن اللَّه أصبحت الألوهية اسماً على غير مسمى: و هذا معنى قوله: «إن لا يكونون منا فنحن لا شك منهم»، لأن الأسماء الإلهية التي تطلب المألوهين، و منها يتكوّن مفهوم الألوهية، تصبح في هذه الحالة لغواً من القول. على هذا التقدير يستقيم المعنى في البيتين، و لكن لسوء الحظ ليس في الفص ذكر سابق للأسماء الإلهية حتى تعود عليها الضمائر في منهم و عنهم. و الأقرب إلى روح الفص أن نعيد الضمائر في منا و عنا على اللَّه، و في منهم و عنهم على العباد، لا سيما و قد ورد البيتان بعد شرح الآية القرآنية التي ينصف اللَّه بها نفسه من العباد في قوله «وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»