فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٩٨ - الفص الخامس عشر
الصور من نور الوجود و لما كان الظلام لا يمكن إدراكه إلا عن طريق ما يتخلله من النور، لم ندرك «النّفَس الإلهي» إلا عن طريق ما تفتح فيه من صور الوجود.
و لكن كيف ظهر الخلق في الحق؟ أو كيف تفتحت صور الوجود في النّفَس الإلهي؟ كيف ظهر الخلق؟ هذا سؤال حاول الاجابة عنه أهل النظر بالبرهان، و أجاب عنه الصوفية بالكشف، و طريق أهل النظر عقلي منطقي، و طريق الصوفية ذوقي شهودي. أما الأولون فلما طلبوا حقيقة الأمر و أعياهم مطلبها قعدوا عن طلبها و استكانوا. و أما الآخرون فجدوا في الطلب حتى وصلوا إلى غايتهم و شاهدوا الأمر شهوداً عينياً ليس فيه لبْسٌ أو تأويل.
أما صاحب النظر فيرى أمر الخلق كما يرى النائم حلماً من الأحلام: أي أنه يرى رمز الحقيقة لا الحقيقة نفسها. و إلى اصحاب النظر (الفلاسفة) يشير بقوله:
|
و العلم بالبرهان في |
سلخ النهار لمن نعس |
|
أي و العلم بمسألة الخلق و ظهور الكل في النفس الإلهي من خواص الناعسين الذين تبدو لهم الحقيقة في ثوب من الخيال، فيطلبون تأويلها كما تبدو للنائم الحقائق في صور الأحلام. و سلخ النهار رمز لآخر مرحلة من مراحل السلوك إلى الحق.
|
فيرى الذي قد قلته |
رؤيا تدل على النفس |
|
أي فيرى الأمر الذي شرحته كما يرى الحالم رؤياه لا كما يرى العارف رؤيته.
|
فيريحه من كل غم |
في تلاوته عبس |
|
أي فتريحه هذه الرؤيا الناقصة من كل غم يشعر به من جراء الحيرة العقلية التي يشعر بها إزاء هذه المشكلة. و المراد بعبس هنا القلق و الحيرة لا السورة القرآنية المسماة بهذا الاسم (س ٨٠).
أما أصحاب الكشف و الشهود فيشير إليهم بقوله:
|
و لقد تجلى للذي |
قد جاء في طلب القبس |
|