فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٤٦ - الفص الحادي و العشرون
يَعتبر كلًا من هذين الاسمين جامعاً للأسماء الإلهية كلها. و إذا كان الأمر كذلك فتجلي الواحد الحق لنفسه في صور الأسماء الإلهية إنما هو في الحقيقة تجليه لنفسه في صورة اسم «اللَّه» أو اسم «الرحمن». فالحق مسمى باسم الرحمن في نظر ابن عربي لأنه يتجلى بوجوده على كل موجود، و تجليه بوجوده على كل موجود هو رحمته التي يرحم بها هذا الموجود. فبوجود الذات الإلهية المطلقة- التي هي العين الواحدة- ظهرت الكثرة الوجودية في الواحد، و كانت فيه وجوداً بالقوة ثم وجوداً بالفعل. و هذا هو معنى قوله: «تلك العين الموجدة للرحمة بالرحمة» أي تلك العين التي أخرجت الوجود من القوة إلى الفعل.
و التجلي الثالث هو تجلي الواحد الحق في صور أعيان الموجودات أو العالم الخارجي، و هذا أيضاً ناشئ عن الرحمة. إذ بالرحمة الإلهية منح اللَّه الوجود لكل موجود، أو على حد قول المؤلف أعطى كل موجود شيئيته سواء أ كان جوهراً أو عرضاً، بسيطاً أو مركباً (قارن التعليقين السابع و الثامن على الفص السادس عشر).
(٤) «و لا يعتبر فيها حصول غرض و لا ملاءمة طبع، بل الملائم و غير الملائم كله وسعته الرحمة الإلهية وجوداً».
(٤) هذه نتيجة لازمة عن تعريف الرحمة الإلهية على الوجه الذي ذكرناه، فإن الرحمة لو كان معناها الشفقة بالعباد و العناية بهم، لدخل في حساب الراحم فعل ما هو ملائم لطباع الناس و ما هو محقق لأغراضهم، بل لَقَصُرَت الرحمة على هذا الصنف من الأعمال دون غيره. و لكنها أوسع من أن تنحصر في هذا الصنف لأنها عامة تشمل الملائم و غير الملائم، و الخير و الشر، و كل ما يتحقق في الوجود على أي وجه. فلا يعنيها أن ما يتحقق وجوده ملائمٌ أو غير ملائم لغرض هذا الفرد أو ذاك، لأن الملاءمة و غير الملاءمة أمران اعتباريان لا دخل لهما في الأشياء من حيث هي، و كذلك الخير و الشر أمران اعتباريان لا دخل