فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٤٧ - الفص الحادي و العشرون
لهما في الأفعال من حيث هي. و الرحمة تتوجه إلى إيجاد الأشياء و الأفعال من حيث هي، فهي- بهذا المعنى- مرادفة للمشيئة الإلهية التي هي أعم قانون في الوجود.
(٥) «و قد ذكرنا في الفتوحات أن الأثر لا يكون إلا للمعدوم لا للموجود، و إن كان للموجود فبحكم المعدوم».
(٥) بعد أن ذكر أن الصفات الإلهية- و هي في ذاتها ليست وجوداً عينياً- لها أثر في كل ما له وجود عيني، أراد أن يبين هنا أن كل ما له أثر في متأثر فإنما هو معدوم (أي ليس له وجود عيني خارجي). و إن تأثر متأثر بموجود فإنما يكون ذلك لحكم «معدوم» فيه. و ظاهر من هذا أن المؤلف لا يعني بالمعدوم المعدوم إطلاقاً فإن المعدوم المطلق سلب محض و ليس له أثر و لا يمكن أن يكون له أثر في متأثر، و إنما يريد بالمعدوم هنا الذي لا وجود له في العالم الخارجي، أعني الموجود العقلي أو الروحي.
إن العالم الخارجي و هو عالم الظواهر الذي له وجود عينيٌّ في تغير مستمر، و لا بد لكل تغير من علة تحدثه. و لا يرى ابن عربي أن الظواهر الطبيعية أو حالات المادة هي العلل في وجود ظواهر طبيعية أخرى أو حالات جديدة في المادة، بل العلل في نظره أمور غير مادية أو كما يقول غير وجودية: و أحياناً يصف الأسماء الإلهية- و هي في نظره صفات معقولة محضة ليس لها وجود مستقل عن الذات التي تصفها- بأنها علل جميع الموجودات بمعنى أنها حقائق كلية معقولة متجلية في صور العالم الخارجي التي لا تتناهى عدداً. فليست الذات الإلهية من حيث هي- أي ليست الذات معراة عن جميع الصفات التي توصف بها- علة في وجود أي معلول. و إنما هي علة في وجود كل معلول من حيث هي متصفة بصفاتها المتجلية في جميع نواحي الوجود. و يشير ابن عربي إلى هذا المعنى في قوله فيما بعد: «فلها الحكم (أي للرحمة التي هي أمر معقول) لأن الحكم إنما هو في الحقيقة للمعنى القائم بالمحل. فهو (الحق) الراحم على الحقيقة:
فلا يرحم اللَّه عباده المعتنى بهم إلا بالرحمة»: أي لا يرحم من يرحمه من حيث هو