فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٨٥ - الفص الرابع و العشرون
(٢) «و لذا لمّا قال له هارون ما قال ... إلى قوله لمّا علم أنه بعض المجالي الإلهية».
(٢) لم ينكر موسى إذن على عبدة العجل عبادتهم إلّا من حيث إنهم حصروا المعبود المطلق في تلك الصورة الخاصة التي هي صورة العجل، مع أن المعبود المطلق يأبى الحصر لأنه عين كل ما يعبد. و قد نبّه موسى أخاه هارون إلى هذا السر لما غضب عليه في محضر من القوم و أخذ بلحيته و رأسه. ثم أراد أن يشير إلى سر آخر غاب عن هارون و عن بني اسرائيل لما سأل السامري عن صنعه عجلًا من الذهب ليعبده القوم بدلًا من العجل الحيواني. و ذلك السر هو في الحقيقة سِرُّ عبادة كل معبود. و قد عنى به موسى الحب و الميل «الذي هو المقصود الأعظم المعظم في القلوب» إذ لم يزد السامري على أنه صنع للقوم عجلًا من الذهب و هو أحب الأشياء إلى قلوبهم فاستهواهم بذلك و حرك قلوبهم نحو عبادته. و لكن عبادة العجل سواء أ كان ذهباً أم لحماً و دماً كفر و جهل، و إن كان المعنى الذي تنطوي عليه عبادته هو المعنى الحقيقي في كل عبادة. أما كونه جهلًا فلأن المعبود بحق ليس محصوراً في صورة العجل و لا في أية صورة كانت، بل هو ما في الصور كلها من الحق. و العبادة الصحيحة لا يستحقها سوى الحق الذي هو عين الكل و له هوية جميع الصور. و مما يدل على جهلهم قولهم من قبل لموسى «يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ: قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» لأن العبادة مطلقاً لا تكون إلا للرب المطلق كما قال تعالى «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْ ءٍ فَاعْبُدُوهُ». و الإله المجعول ليس له الخلق فلا يستحق العبادة. و أما كونه كفراً فلأن فيه توهم اشراك ما سوى الحق في الألوهية حيث لا يوجد السوي. و لكي يوضح موسى لقومه فناء الصور في الذات الإلهية الواحدة أحرق العجل و ألقى برماده في اليم، و ليس العجل الا رمزاً للصور الوجودية المحدودة، كما أن اليم ليس الا رمزاً لبحر الوجود الزاخر الذي تنمحي