فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٨٧ - الفص الرابع و العشرون
بالمسخَّرِ، و لكن طبيعة الأشياء تقضي أن يسخر الأعلى كل ما في وسعه في خدمة الأدنى و لمصلحته. ثم انتهى إلى نوع من التسخير ربما كان أصدق وصف نصفه به هو «التسخير الميتافيزيقي»، و إن كان يدخله في النوع الثاني الذي هو التسخير بالحال: «أعني بذلك التسخير الميتافيزيقي تسخير العالم للحق سبحانه و تعالى. و لم يجر العرف بتسمية اللَّه مسخَّراً كما يقول المؤلف، و لكن طبيعة الوجود و طبيعة مذهبه يجعلان هذا التسخير أمراً لا مفر منه. و الحق مسخَّر للخلق بمعنى أنه يتجلى على الخلق بشئونهم و يعطيهم من صفات الوجود ما تقضي به استعداداتهم من حيث هم مظاهر و مجال له. قال تعالى: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» فأتى بضمير الغائب «هو» للدلالة على أن هويته كل يوم في شأن من شئون الخلق ظاهرة فيه بمظهر خاص من مظاهر الأسماء و الصفات. و الحقيقة أن الحق لا يسخره غيره لأن كل ما يطلق عليه اسم الغير إنما هو في الحقيقة عين الحق، و إن كان من حيث التعين يسمى بالغير و السوي. فالحق هو المسخر لنفسه بحسب شئونه و تجلياته.
(٥) «و لهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا و عبد إما عبادة تأله و إما عبادة تسخير».
(٥) عبادة تأله كعبادة الأصنام و الشمس و القمر و الكواكب و الحيوان، و عبادة تسخير كعبادة الأموال و الجاه و المناصب. و يرى ابن عربي أن الوجود كله سلسلة من الكائنات يسخر بعضها بعضاً، و سلسلة من الصفات و الخواص يخضع بعضها لبعض. و أنه لا يعبد شي ء من الأشياء في العالم إلا بعد أن يتلبس بالرفعة في نظر العابد، و يظهر في قلبه بدرجة التعظيم و التقديس. و لهذا ما بقي نوع من أنواع الكائنات في نظره إلا و عبد بإحدى العبادتين: عبادة التأله و عبادة التسخير. و المعبود في الكل هو الواحد الحق، و لكنه يعبد على درجات متفاوتة في مجاليه المختلفة. و لذلك قال عن نفسه: «رَفِيعُ الدَّرَجاتِ» و لم يقل رفيع الدرجة، لأنه هو المعبود في صورة كل ما يعبد و من يعبد،