فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٨٨ - الفص الرابع و العشرون
بدرجات يتفاوت فيها العابدون. و أعظم مجلىً يعبد فيه الحق و أعلاه هو «الهوى» لأنه أساس كل عبادة، و المعبود الحقيقي في كل صور ما يعبد. فلا يعبد شي ء الا بالهوى، و لا يعبد هو إلا بذاته. و من هنا وجب أن نميز بين الحق في مرتبة الألوهية الذي لا يعبد إلا بذاته، و الحق في مراتب الصور الكونية الذي لا يعبد إلا بواسطة سلطان الهوى على قلب العابد، و لذا قال:
|
و حق الهوى ان الهوى سبب الهوى |
و لو لا الهوى في القلب ما عبد الهوى |
|
يقسم بقدسية الهوى (الحق) أن الهوى الساري في جميع مراتب الوجود، المعبود في جميع صوره، هو علة الحب في جزئياته و أشكاله، و أنه لو لا وجوده و تجليه في صور المعبودات و في قلوب العابدين ما عبد معبود و لا وجد عابد. و يذكر الشيخ في فتوحاته أنه شاهد الهوى في بعض مكاشفاته ظاهراً بالألوهية قاعداً على عرشه، و جميع عبدته حافون من حوله: و يقول «و ما شاهدت معبوداً في الصور الكونية أعظم منه».
فالهوى إذن اسم آخر من أسماء اللَّه، بل هو أعظم أسمائه. قال تعالى:
«أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ»؟ يقول ابن عربي أما أن اللَّه أضله على علم فمعناه أنه خير العابد لهواه لظهوره و تجليه في صور الهوى و مراتبه، و ذلك الإضلال مبني على علم من اللَّه (و المراد من الآية في الأصل على علم من العابد لهواه!) بأسرار تجلياته في تلك الصور. فقد حير اللَّه العارفين بكثرة تجلياته، و المحجوبين بالوقوف عند ما عبدوا مع علمهم أن ما عبدوه ليس إلهاً على الحقيقة، و إن كانوا يجدون في بواطنهم ميلًا إليه و تعظيماً له.
و الهوى معبود مطلق لا يعرف حدود الشرائع و لا يميز بين حلال و حرام:
فقد يرافق العابد لهواه ما يأمر به الشرع كمن يحب امرأته و كل ما هو حلال من من الرزق، و قد لا يوافق ما يأمر به الشرع كمن يتعلق هواه بما يملكه غيره و كل ما هو حرام من الرزق.
(٦) «و العارف المكمّل مَنْ رأى كل معبود مجلىً للحق يعبد فيه».