فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٨٩ - الفص الرابع و العشرون
(٦) هذه نتيجة لازمة عن كل ما تقدم، بل هي نتيجة لازمة عن مذهب وحدة الوجود و ركن هام من أركانه. إذا كان كل ما في الوجود مجلى للحق و صورة من صوره، و كان لكل موجود وجهان: وجه من الحق و وجه من الخلق، و إذا كان فوق كل هذا كل موجود يعبد عبادة تأله أو عبادة تسخير، لزم أن كل معبود مجلى للحق يعبد فيه، و حلّ قولنا: «لا معبود بحق إلا اللَّه» في ميدان الدين، محل «لا موجود بحق إلا اللَّه» في ميدان الميتافيزيقا. و هذا المعنى هو جوهر الفلسفة الدينية في مذهب ابن عربي. و قد وجدنا له صداه في كثير من فقرات هذا الكتاب و في غيره من كتبه حيث يعتبر قلب العارف هيكلًا لجميع الاعتقادات في اللَّه، و مرآة تنعكس عليها صور الوجود الحق.
يقول:
|
لقد صار قلبي قابلًا كل صورة |
فمرعى لغزلان و دير لرهبان |
|
|
و بيت لأوثان و كعبة طائف |
و ألواح توراة و مصحف قرآن |
|
|
أدين بدين الحب أنّى توجهت |
ركائبه فالدين ديني و إيماني [١] |
|
و يقول:
|
عقد الخلائق في الإله عقائداً |
و أنا شهدت جميع ما عقدوه |
|
فالعارف في نظره هو الذي نظر إلى الوحدة في الكثرة، و وضع الألوهية في موضعها: أي في الواحد المعبود في صور جميع الآلهة المعبودين. و الجاهل هو الذي وضع الألوهية في صورة معبوده الخاص، حجراً كان أو شجراً أو حيواناً أو إنساناً. و هو محجوب عن حقيقة الوحدة، بل حقيقة التوحيد كما يسميه أصحاب وحدة الوجود. و لهذا قال: «أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ ءٌ عُجابٌ»؟
فلم ينكر وحدة الآلهة بل تعجب منها، لأنه وقف مع كثرة الصور و نسب الألوهية إليها.
(٧) «فهم عبَّاد الوقت».
[١] ترجمان الأشواق ط. بيروت ١٣١٢ ص ٣٩- ٤٠