فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٧٢ - الفص الرابع عشر
فيه من جهة ولايته لا من جهة نبوته. و بعبارة أخرى يريد ابن عربي أن يقول إن هذا العلم هو من علم الوراثة، ككلام الصوفية في التخلق بأخلاق اللَّه و كلامهم في قرب النوافل و الفرائض و في مقام التوكل و الرضا و التسليم و الفناء و التوحيد و الجمع و الفرق و ما شاكل ذلك مما يمكن إدخاله تحت «الرهبانية» التي قال اللَّه فيها إن أتباع عيسى بن مريم ابتدعوها و لم يكتبها اللَّه عليهم. و لكن الرهبانية ليست قاصرة على المسيحيين، فإن الإسلام في ما يوازيها و هي تعاليم الزهاد و الصوفية، و كلها مستمد- في نظر الصوفية- من العلم الباطن الذي ورثوه عن صاحب هذا العلم و هو محمد عليه السلام: فإن محمداً كان له في زعمهم علمان: علم بظاهر الشرع و هذا هو الذي أوحى اللَّه به إليه، و علم بباطن الشرع ورَّثه أولياء المسلمين من بعده.
على هذه النظرية التي شرح فيها ابن عربي ماهية الرسالة و النبوة و الولاية بنى دفاعه عن الرهبانية و التصوف، و نظر إلى تعاليم الصوفية على أنها جزء من تعاليم الإسلام بمعنى أعمّ من المعنى الذي يفهمه الناس عادة- لا الإسلام الذي يحتوي قواعد الشرع المنزل وحده، بل الإسلام الذي يحتوي هذه، كما يحتوي علم باطن الشريعة الذي أشرق في قلب النبي من عالم الغيب بلا وساطة، و انكشف له من حيث هو ولي لا من حيث هو نبي، و الذي ما زال ينكشف في كل ولي مسلم من بعده.
و يظهر لي أنه لا تناقض مطلقاً بين هذه النظرية و ما ذكره القرآن عن الرهبانية التي ابتدعها المسيحيون، بل أرى- على العكس من ذلك- أن نظرية ابن عربي تفسر لنا الآية القرآنية المشكلة التي وردت فيها الإشارة إلى الرهبانية تفسيراً معقولًا (راجع القرآن س ٥٧ آية ٢٧). فالقرآن يقول إن الرهبانية نظام ابتدع ابتداعاً و لم يكتبه اللَّه على أصحابه: و معنى هذا أنه لم يكن في وقت من الأوقات جزءاً من شرع منزل. ألا يمكن أن يكون هذا الابتداع من عمل قلوب الأولياء، و راجعاً إلى طبيعة بواطنهم كما يقول ابن عربي؟ بل إنه ليذهب