فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١١١ - الفص التاسع
غير أننا يجب أن نكرر هنا ما ذكرناه من قبل عن التمثيل بالمرايا و صورها، و ضروب التمثيل الأخرى التي يستعملها ابن عربي- و ذلك أن كل تمثيل من هذا النوع لا يخلو من شي ء من الغموض و التضليل من ناحية أنه أمر محسوس يراد به إيضاح ما هو في نفسه غير محسوس، و من ناحية أنه يشعر بالاثنينية حيث ليس في الأمر اثنينية و لا كثرة بأي وجه. فليس من الممكن أن نتصور الشخص و ظله إلا على أنهما شيئان متميزان مهما قيل من أن الظل لا وجود له بدون الشخص و من أنه يستحيل عليه الانفكاك عنه. فاتصال الظل بالشخص و افتقاره في وجوده إليه شي ء، و القول بأنهما حقيقة واحدة شي ء آخر. و لكن هذه هي الدعوى التي يدعيها ابن عربي في الصلة بين اللَّه و العالم عند ما يشبه العالم بظل اللَّه و يقول يستحيل على الظل الانفكاك عن ذاته هل ظل الشي ء عين ذاته: أم هو أثر من آثاره و عرض من أعراضه؟ و هل للذات وجود في الظل الممتد عنها كما أن للحق وجوداً في صور الممكنات؟ هذه و أمثالها أسئلة فيها من جفاف المنطق ما لا تتحمله المعاني الشعرية التي يوضح بها ابن العربي نظريته فيجب إذن ألا ينظر إلى لوازم كل هذه التشبيهات و ألا نحكِّم منطق العقل في المسائل الذوقية و الشعرية.
و هناك تمثيل آخر يذكره بعد التمثيل بالظل مباشرة و يوضح به اختلاف تجلي الحق باختلاف صور الممكنات، لأنه يُشَبّه الحق بالنور الذي لا لون له، و يشبه الخلق بالزجاج الملون، و يقول إن الحق يظهر في صور الموجودات بحسب ما تقتضيه طبيعة هذه الصور كما يظهر النور المرئي خلال الزجاج الأخضر أخضَرَ، و المرئي خلال الزجاج الأحمر أحمر و هكذا. فاللون هو الذي حجب النور عن أن يظهر على حقيقته، كما أن صور الممكنات هي التي حجبت الحق عن الظهور بذاته في صورة غير متعينة. فالنور هو الحق أو الذات الإلهية، و الزجاج هو العالم، و الألوان هي صور الوجود المختلفة. و الذات الإلهية لا لون لها: أي ليس لها في نفسها صفات و لا خصائص و لا نسب، و إنما تظهر بهذه