فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٠٩ - الفص التاسع
واقعي و كانت الحقيقة ثنائية. أما إذا قدرنا عدم وجود العالم، فإن الظل يكون أمراً معقولا موجوداً بالقوة لا بالفعل و تكون الحقيقة واحدية. فالمسألة إذن مسألة اعتبار و تقدير: إذا نظرنا إلى الحقيقة من جهة قلنا إنها واحدة، و إذا نظرنا إليها من جهة أخرى قلنا إنها اثنينية. و ظاهر من هذا الكلام أن ابن عربي كان يشعر بنفس القلق العقلي الذي شعر به زرادشت من جراء محاولة التوفيق بين التوحيد الديني و الثنوية الفلسفية، و لكنه وَجَدَ- خلافاً لزرادشت- مخرجاً من هذا التناقض في نظريته في وحدة الوجود التي تقبل جميع الاعتبارات و تنمحي فيها جميع المتناقضات.
(٥) «و لكن باسم النور وقع الإدراك، و امتد هذا الظل على أعيان الممكنات في صورة الغيب المجهول».
(٥) ذكرنا في التعليق السابق كيف اعتبر الاسم الإلهي «النور» مبدأ الخلق أو مبدأ ظهور التعينات في الذات الإلهية، و يظهر أنه يعتبره هنا مبدأ التعقل أو الإدراك في الذات الإلهية. فكأنه بهذا المعنى مرادف للعلم أو العقل، إذ به امتد ظل الوجود الإلهي على أعيان الممكنات الثابتة في العلم القديم أو في العالم المعقول المشار إليه باسم «الغيب المجهول». و به عرف الحق نفسه بنفسه لما رأى صورة نفسه في مرآة الوجود الإضافي متمثلة في جميع الصور المعقولة التي احتوتها ذاته بالقوة. و ليس النور- بهذا المعنى- مبدأ الإدراك في الحق وحده، بل في كل ما يدرِك و من يدرِك من الكائنات. هو العقل الواعي الساري في الوجود.
و يذهب الصوفية الذين يستعملون هذه اللغة الاشراقية إلى أن هذا المعنى المزدوج لكلمة النور مشار إليه في قوله تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» فيقولون إنه نور السموات بمعنى أنه العقل الكلي الإلهي، و نور الأرض بمعنى أنه مبدأ وجود العالم أو مبدأ الخلق فيه.
(٦) و كذلك أعيان الممكنات ليست نيرة لأنها معدومة و إن اتصفت