فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٠٧ - الفص التاسع
أما الرؤيا عن قصد من الرائي فأمر يرى إمكانه معظم الصوفية. و يحدثنا ابن عربي نفسه أنه كان يستطيع في أي وقت شاء أن يستحضر في حلمه أو في يقظته صور مشايخه فتتمثل أمامه و يخاطبها بما يريد. و لعل غير الصوفية أيضاً يزعمون هذا الزعم و إن كانوا لا يذهبون في تفسير هذه الظاهرة مذهبهم. راجع ما ذكرناه عن الهمة و خلق الأشياء بواسطتها: الفص السادس: التعليق الثامن: قارن ما يذكره المؤلف عن «الصدق» في كتابه مواقع النجوم ص ٨٣- ٨٥. راجع أيضاً شذرات الذهب لابن العماد ج ٥ ص ١٩٦ في كلام صدر الدين القونوي عن تمكن شيخه ابن عربي من الاجتماع بروح من شاء في نومه أو يقظته.
(٣) «و سأبسط من القول في هذه الحضرة بلسان يوسف المحمدي».
(٣) حاول أن يعقد صلة بين الرؤيا التي رآها يوسف في منامه ثم أوَّلها و قال بعد أن تحققت: «هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا»، و بين قول النبي صلى اللَّه عليه و سلم: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا». فقال إن الأصل هو ما قال النبي محمد عليه السلام و هو أن الناس نيام و أن كل ما يرونه أحلام، و أن يوسف لما رأى رؤيته ثم أوَّلها فيما بعد إنما خيل إليه أنه استيقظ من نومه، و لكنه لم يستيقظ و لم يزل في نومه حتى مات: و كذلك كل إنسان و هذا معنى قوله «فكان (أي يوسف) بمنزلة من رأى في نومه أنه قد استيقظ من رؤيا رآها ثم عبَّرها، و لم يعلم أنه في النوم عينه ما برح». فاليقظة إذن هي النوم بعينه، و ليس ما نسميه نوماً إلا حالًا من حالاتها، و ليس ما نراه في اليقظة أو في المنام إلا خيالًا يجب تأويله.
و لهذا يفرِّق بين يوسف النبي الذي وصف العالم المحسوس بأنه العالم الحق و قابل بينه و بين عالم الأحلام في قوله: «هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا»، و بين ما يسميه «يوسف المحمدي» أي يوسف الذي يتكلم بلسان محمد و يشرح قوله: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» بالمعنى الذي أشرنا إليه