فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٢٧ - الفص العاشر
بأنه كان في عماء ليس فوقه هواء و لا تحته هواء تحديد. و وصفه بأنه ينزل إلى السماء الدنيا و أنه في السموات و في الأرض و أنه مَعَنَا أينما كنا، كل ذلك تحديد.
بل إن وصفه بأنه ليس كمثله شي ء تحديد لأنه تمييز له عن المحدود، و من تميز عن المحدود فهو محدود بأنه ليس مثل هذا المحدود.
و قد سبق أن ذكرنا في تعليقاتنا على الفص الثالث أن ابن عربي لا يرضى من معاني التنزيه إلا الإطلاق، و أن هذا الوصف لا يصدق إلا على الذات الإلهية التي لا يمكن وصفها بغير ذلك. و كأنه خشي بعد أن ذكر أن الحق هو الظاهر في صور الممكنات، المتعين بتعينها، أن يُرَدَّ عليه بالأدلة النقلية التي تُنزه الحق عن صفات الخلق و ترفع عنه صفة التحديد، فأجاب بما أجاب به من أن كل ما ورد في وصف الحق تحديد له.
على أن للتحديد معنى آخر عنده و هو التعريف، و قد أشرنا إليه في التعليق الثاني على الفص الثالث. و يظهر أنه هو المراد في قوله بعد الذي شرحناه مباشرة «فهو (أي الحق) محدود بحد كل محدود. فما يحد شي ء إلا و هو حد الحق» أي أننا إذا أردنا وضع تعريف للحق- لا للذات المجردة المعراة عن جميع النسب و الإضافات- كان تعريفه مجموع تعريفات الموجودات. أما الذات الإلهية من حيث هي فغير معروفة و غير قابلة للتعريف.
(١١)
|
«فيه منه إن نظر |
ت بوجه تعوذي» |
|
(١١) هذا الوجه هو وجه الأحدية، فإنك إذا افترضت وحدة الوجود و قلت إن العالم ليس إلا صورة الحق المتجلي في أسمائه و صفاته، و إن ما فيه مما يسمى عادة شراً ليس إلا مجلى لبعض أسمائه، و ما فيه مما يسمى خيراً ليس إلا مجلى لأسماء أخرى، لزم أن تقول إن الاستعاذة بالحق من أي شي ء إنما هي به منه، أو استعاذة ببعض أسمائه من أسمائه الأخرى. و على هذا يفسر قولنا: «أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم» بأن معناه أعوذ باسم اللَّه الهادي من اسمه المضل. و بهذه