فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٢٩ - الفص العاشر
بحدودها، و استدل على قوله هذا ببعض الآيات و الأحاديث التي تشعر بالتشبيه و من ثم بالتحديد. و قال هنا و لو لا أن التحديد واقع بالفعل في حق اللَّه ما وصفه الرسل بالتحول في الصور. فقد ورد في حديث عن النبي صلى اللَّه عليه و سلم أنه قال: «إن الحق يتجلى يوم القيامة للخلق في صورة منكرة فيقول: أنا ربكم الأعلى فيقولون نعوذ باللَّه منك، فيتجلى في صورة عقائدهم فيسجدون له». أي إذا كان الحق يظهر يوم القيامة في الصور المحدودة التي تُعْرَف و تُنْكَر فلِمَ لا يظهر في الدنيا بصورة محدودة أيضاً؟
و لكن ابن عربي نفسه لا يفهم من هذا الحديث إلا أن كل عبد يعرف اللَّه في صورة معتقده الخاص و ينكره في صور معتقدات الآخرين، و أن هذا في رأيه عين الحجاب، لأن الذوق و الكشف يؤيدان أن الحق هو الظاهر في صور المعتقدات جميعاً. و لا أحسبه يرى في وصف الحق بالتجلي في الصور يوم القيامة إلا ضرباً من التمثيل. و إذا كان الأمر كذلك، و إذا ثبت أن كل صورة من صور الحق في معتقداتنا لا بدّ، و أن ينالها التحديد و التقييد، لأن العقل الانساني لا يدرك إلا المحدد المقيَّد، فكيف يستدل بهذه الحقيقة السيكولوجية على صحة دعوى ميتافيزيقية تقول بأن الحق هو عين ما ظهر في صورة كل محدود و مقيد؟
أما دعوته إلى عدم حصر الحق في صورة معينة من صور المعتقدات فظاهرة في قوله فيما بعد «فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص و تكفر بما سواه فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه. فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها» إلخ إلخ ... و يشير إلى إله المعتقدات بأنه إله مجعول أي مخلوق في الاعتقاد في قوله «فالإله في الاعتقادات بالجعل».
(١٤) «فمن عباد اللَّه من تدركهم تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمى جهنم» ... إلى آخر الفص.
(١٤) بعد أن شرح اختلاف الناس في اعتقاداتهم في اللَّه و بيّن أن كلًا منهم يراه في