فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٣٤ - الفص التاسع عشر
الفص التاسع عشر
(١) (١) يبحث هذا الفص بوجه عام في عالم الغيب الذي يشير إليه أصحاب وحدة الوجود بهويَّة الحق و يشير إليه ابن عربي خاصة باسم النَّفَس الرحماني و باسم الماء الوارد ذكره في القرآن في قصة أيوب. و ليس المراد بأيوب هنا النبي المعروف المشهور بالصبر و احتمال الأذى و البلاء الذي ابتلاه اللَّه به، بل يصوره ابن عربي بصورة السالك إلى اللَّه الباحث عن العلم اليقيني بعالم الغيب. أما الألم الذي يحسه ذلك السالك فليس بالألم الجسماني الذي يصاحب أحياناً أدواء البدن، و لكنه عذاب روحي يشعر به رجل محجوب عن حقائق العلم اليقيني، فهو يدعو اللَّه أن يكشف عنه ضره فيكشف اللَّه عنه ضره بأن يريه مغتسل الماء الذي تحت قدميه و يأمره بأن يغتسل فيه. فلما اغتسل أيوب بالماء ذهب عنه ضره لأنه رُفع عنه الحجاب و ظهر له الطريق إلى اللَّه.
فالماء رمز لعالم الغيب كما قلنا أو هو رمز لمبدإ الحياة الساري في جميع أجزاء الوجود، أو هو اللَّه. فباغتساله في الماء أي بانغماسه في بحر الوجود عرف سر الوجود، أو بعبارة أخرى بشربه من الماء أروى تعطشه إلى العلم بحقيقة الوجود و هي اللَّه.
أما ما عدا هذه المسألة من المسائل التي يعالجها الفص فمرتبط بها ارتباط النتيجة بالمقدمات لا سيما مسألة الأسباب النوعية و السبب الواحد العام الذي هو اللَّه.
(٢) «فأشار إلى نسبة التحت إليه كما أن نسبة الفوق إليه».
(٢) يرى المؤلف أن نسبتي «الفوق» و «التحت» نسبتان للَّه بمعنى خاص سنشرحه فيما بعد. أما القرآن فقد وردت فيه نسبة «الفوق» إلى اللَّه في مثل الآيات الآتية: «يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ» و «وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ»^