فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٢٠ - الفص العاشر
و تركيبه و حركاته و سكناته و تغيراته، و لكنه ليس طريق الجبرية الميكانيكية أو المادية التي يتكلم عنها بعض المحدثين أو التي تكلم عنها الرواقيون.
و إذا نظرنا إلى الطريق المستقيم هذا من ناحية الدين و المعتقدات وجدناه اسماً آخر لمذهب وحدة الوجود التي تلتقي فيها جميع الأديان و تتلاءم جميع العقائد.
و تظهر الأحدية فيه من ناحية أن المعبود على الإطلاق و في أي صورة عُبِدَ، هو اللَّه لا غيره. هذه هي ناحية الاحدية الملحوظة في هذا الفص و إن كانت النواحي الاخرى لم يغفل ذكرها تماماً.
(٢) «و المآل إلى الرحمة التي وسعت كل شي ء، و هي السابقة».
(٢) يَستعمل كلمة الرحمة من الناحية الميتافيزيقية الصرفة بمعنى منح اللَّه الوجود لأي موجود. و لما كان الحق سبحانه هو واهب الوجود للموجودات جميعاً وسعت رحمته كل شي ء. قال تعالى: «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ»: لم يقل كل إنسان فقط و لا كل إنسان خير أو مطيع. فالشرور و المعاصي إذن من رحمة اللَّه لأنها من الموجودات التي وسعتها الرحمة.
و لكننا إذا نظرنا إلى المسألة في دائرة الاحكام الخلقية، كان للرحمة معنى آخر مختلف بعض الشي ء عن المعنى السابق لأنها تصبح مرادفة لكلمة الرضا:
فرحم اللَّه فلاناً بهذا المعنى مرادف لقولنا رضي اللَّه عن فعله و أثابه عليه.
و لكن حتى بهذا المعنى نستطيع أن نقول إن اللَّه يرضى عن جميع الأفعال خيرها و شرها و أن رحمته وسعت الأفعال كلها:
أولًا: لأن جميع الأفعال تصدر بمقتضى الإرادة الإلهية خاضعة للأمر التكويني- كما قلنا- و إن كانت في الصورة مخالفة للأمر الديني الذي هو الامر التكليفي.
ثانياً: لأن جميع الأفعال خير في ذاتها و لا توصف بالشر إلا بطريق العرض.