فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٢ - الفص الأول
هذه الغاية لأن اللَّه خلق العالم لكي يُعرَف، و الإنسان وحده هو الذي يعرفه المعرفة اللائقة به و المعرفة الكاملة. و من هنا ندرك سر كون الإنسان سبباً في نزول الرحمة بكل مخلوق- أو سبباً في وجود كل مخلوق، لأن الكمال الإلهي الذي شاء اللَّه أن يُعْرَف و الذي لا يعرفه حق معرفته إلا الإنسان، لا يدرَك إلا في العالم و في الإنسان معاً: يدرَك تفصيلًا في الأول و جملة في الثاني. و بهذا المعنى يمكن أن يقال إن الإنسان علة في وجود هذا الكون.
(٦) «فهو الإنسان الحادث الأزلي ... و الكلمة الفاصلة الجامعة» (٦) في الإنسان الذي أسلفنا وصفه ناحيتان: ناحية حادثة و هي ما يتصل منه بالصورة البدنية العنصرية، و ناحية أزلية أبدية، و هي ما يتصل منه بالجانب الإلهي. فهو حق و خلق، و قديم و حادث و سرمدي و فانٍ و ما إلى ذلك من صفات الأضداد. و قد جمع الإنسان- بل كل ما في الوجود- بين صفات الأضداد هذه من أجل أن فيه الناحيتين: اللاهوتية و الناسوتية. و هذه الفكرة من الأفكار الأساسية في مذهب ابن عربي لا يكاد يغفل ذكرها في كل فصل من فصول كتابه، بل عليها يقوم كل مذهبه في وحدة الوجود.
أما كون الإنسان «الكلمة الفاصلة الجامعة» فلأنه يقف حداً فاصلًا بين اللَّه و العالم لأنه صورة اللَّه و العالم هو المرآة التي تنعكس عليها هذه الصورة، و اللَّه هو الذات التي الإنسان صورة لها. و لهذا يطلق عليه ابن عربي أحياناً- أو بعبارة أدق- يطلق على الإنسان الكامل لا مطلق إنسان- اسم البرزخ و هو اسم يظهر أنه استعارة من فلسفة فيلون اليهودي الاسكندري لأن فيلون يصف الإنسان بهذا الوصف. و أما كونه «كلمة جامعة» فلأنه يجمع في نفسه- كما قلنا- كل الأسماء الإلهية بمعنى أنه مجلى لها.
(٧) «فلا يزال العالم محفوظاً ما دام فيه هذا الإنسان الكامل ... أبدياً»