فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٩٠ - الفص السابع
(٦) لم يفضل اسماعيل غيره من أعيان الموجودات إلا بأن اللَّه تعالى نص على أنه مرضيٌ عند ربه في قوله: «وَ كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ وَ كانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا» (س ١٩ آية ٥٦) و إلا فكل موجود مرضي عند ربه كما قدمنا. و كل نفس مطمئنةٌ راضية بربها مرضية عنده. و إذن لا يخاطب اللَّه تعالى في قوله «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً» نفساً دون نفس، و إنما يخاطب النفوس جميعاً، بل الموجودات جميعاً. أ لم يأمرها أن ترجع إلى ربها الخاص الظاهر فيها لا إلى اللَّه الذي هو الكل؟ و أ ليس ربها هذا هو الذي دعاها فلبته و عرفته من الكل؟ ثم قال لها: «فَادْخُلِي فِي عِبادِي» أي عبادي الذين عرفوا أربابهم فصاروا راضين بهم مرضيين عندهم بأفعالهم، و لم يطلبوا إلا ما يفيض عليهم من هؤلاء الأرباب. و قال: «وَ ادْخُلِي جَنَّتِي». يقول ابن عربي «جنتي التي بها سِتري» فيأخذ كلمة الجنة على أنها مشتقة من «جَنَّ» بمعنى ستر.
فجنة الحق في كل متعيّن من الموجودات هي الصورة التي تختفي فيها ذاته و تستتر.
و لهذا قال «و ليس جنتي سواك، فأنت تسترني بذاتك».
و قد أمر اللَّه كل نفس مطمئنة- و هي النفس التي تعلم نسبتها إليه و نسبته إليها على وجه الحقيقة- أن تدخل جنته: أي أمرها أن تعود إلى صورتها فتنظر فيها و تتأمل ما فيها من الحق الذي تخفيه و تستره، فتحقق انها الصورة التي تجلت فيها صفات الحق و أسماؤه. و هذا معنى قولهم: «مَن عرف نفسه فقد عرف ربه»، و معنى الحديث «خلق اللَّه آدم على صورته».
هذه هي الجنة في عرف ابن عربي: هي السعادة العظمى التي يدركها الإنسان عند ما ينزل إلى أعماق نفسه و يتأمل صورته فتنكشف له وحدة الحق و الخلق. هي إدراك القديم من خلال الحادث، و الخالد من خلال المتغير الفاني. هي إدراك عظمة الوجود و جماله و كماله خلال النظر إلى صورة المرآة. و لكنها جنة العارف لا جنة المؤمن لأن نعيمها عقلي روحي صرف، راجع إلى معرفة العارف بمدى قربه من