فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٨٨ - الفص السابع
يظهر بصورة الكافر و من يظهر بصورة المؤمن، لأن للَّه نوعين من الصفات:
صفات الجمال و صفات الجلال. فللعصاة و الكفار و نحوهم أربابُهم كالجبار و القهار و المضل و المعذب و هي ظاهرة فيهم. و للطائعين و المؤمنين و نحوهم أربابهم كالهادي و الرحيم و الودود و هي ظاهرة فيهم.
يجب إذن أن نفرّق بين كون العبد مرضياً عند ربه، و كونه مرضياً في نظر الدين أو الأخلاق، لأنه يكفي في الرضا الأول أن يكون فعل العبد مظهراً من المظاهر التي يتحقق فيها معنى اسم من الأسماء الإلهية مهما كان ذلك الفعل. و يلزم للرضا الثاني أن يأتي فعل العبد مطابقاً لأمر من أمور الدين أو قانون من قوانين الأخلاق. و لا تناقض بين الاثنين في رأي المؤلف: أي لا تناقض بين أن يكون العاصي مرضياً عند ربه الخاص و غير مرضي عنه في نظر الدين أو العرف أو الأخلاق.
و قد شرحنا وجهاً من وجوه هذه النظرية في كلامنا عن نظرية ابن عربي في جبرية الأفعال و ما ذكره عن الأمر التكويني و الأمر التكليفي (الفص الخامس التعليق السابع) و سيأتي تفصيل ذلك في الفص السابع عشر.
و من ناحية أخرى لا تعارض بين أن يكون العبد مرضياً عند ربّ من الأرباب غير مرضي عند ربّ آخر، لأن كل موجود يأخذ مربوبيته من الكل الأسمائي بحسب ما يناسبه و يلائم طبيعته و استعداده. و لذلك تظهر الأسماء الإلهية في الموجودات بحسب ما تقتضيه طبيعة أعيان الموجودات ذاتها.
(٥) «و لهذا منع أهل اللَّه التجلي في الأحدية».
(٥) كل ما هو موجود في عالم الظواهر إنما هو مجلى أو مظهر للواحد الحق: أي هو صورة جزئية للكل المطلق. و لذا لا يقال في أي موجود إنه الحق إطلاقاً و إنما يقال إن الحق تجلى فيه في صورة من صوره التي لا تحصى. أما الأحدية الذاتية فلا يقع فيها التجلي أبداً: أي أن الحق لا يظهر بأحديته في أي شي ء. بل إن من التناقض أن تقول إنني شاهدت الحق في أحديته، لأن المشاهدة نسبة بين طرفين: مشاهِد