فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٤٨ - الفص الحادي و العشرون
ذات معرّاة عن صفة الرحمة، بل يرحم من حيث هو موصوف بصفة الرحمة.
و لكنه أحياناً يتكلم عن «الأعيان الثابتة» للموجودات كما لو كانت هي الأخرى عللًا في وجودها لأنها في نظره- مثل المثل في نظر أفلاطون- العلل الحقيقية لكل ما هو موجود في عالم الظاهر. فإن كل موجود إنما يوجد على الصورة التي يوجد عليها لأن عينه الثابتة قد قضت أزلًا أن يكون على هذه الصورة. فهي علة وجوده بهذا المعنى. و لكنَّ هذه الأعيان الثابتة لا تخلو عند الفحص الدقيق عن أن تكون إما المثل المعقولة التي قال بها أفلاطون أو التعينات الأولى التي ظهرت في الذات الإلهية من حيث إضافة هذه الذات إلى العالم كما يقول ابن عربي.
أي أنها لا تخلو عن أن يكون المراد بها العالم المعقول أو الأسماء الإلهية. و إذا كان هذا الأخير فيستوي أن تنسب العلية في عالم الظاهر إلى الأسماء الإلهية أو تنسبها إلى الأعيان الثابتة.
و هناك احتمال ثالث. فإن من الممكن أن يكون المراد بالمعدوم، ما لا وجود له في العالم الخارجي و هو مع ذلك علة في وجود التغيرات: أقول من الممكن أن يكون المراد بهذا المعدوم الحقيقة غير المدركة بالحس المختفية وراء الظواهر.
و بهذا المعنى تكون علة التغير في كل موجود جوهره المتقوم به الذي هو محل للتغير، و يكون الوجود ثنوياً. و لكنها ثنوية في وحدة كما يقول ابن عربي، فإن لكل موجود ناحيتين: ناحية الظاهر أو الخلق التي يسميها بالناسوت و ناحية الباطن أو الحق التي يسميها باللاهوت. و الناحية الأولى هي ناحية المعلولية في الموجود كما أن الثانية ناحية العلية فيه.
أما قوله: «و هو علم غريب و مسألة نادرة و لا يعلم تحقيقها إلا أصحاب الأوهام» فالظاهر أن السبب فيه أن أصحاب الأوهام يتأثرون بأمور ليس لها وجود عيني خارجي، فهم لذلك أدنى من غيرهم إلى فهم المؤثرات التي ليس لها وجود محسوس. و قد يكون ذلك كذلك لو أدرك أصحاب الأوهام حقيقة ما يؤثر فيهم، أي لو عرفوا أنهم يتأثرون بأمور ليست موجودة بالفعل، مع أن الأمر على خلاف ذلك لأن المتسلط