فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٩٦ - الفص الخامس عشر
الأول: أن اليد اليمنى أقوى و أشدُّ في عملها عادة من اليد اليسرى. و إذا فهمنا أنه يريد باليدين هنا أسماء الجمال و أسماء الجلال، أدركنا أنه يريد أن يقول إن جميع الأسماء الإلهية متكافئة في قوة فعلها و تأثيرها في الوجود، و إن الصفات الإلهية المتقابلة أيضاً متكافئة في قوة ظهورها في الموجودات.
الثاني: أن اليد اليمنى عادة هي اليد التي تعطي. فكأنه يريد أن يقول إن الأسماء الإلهية و الصفات متكافئة في إعطاء الوجود ما هو عليه من الصفات و الخصائص.
فاختلفت اليدان ظاهراً فقط و اتحدتا في الحقيقة، و قد اختلفتا لأن الطبيعة التي يؤثران فيها مختلفة متقابلة، و لا يؤثر فيها إلا ما يناسبها.
(١٩) «و لما أوجده باليدين سمّاه بَشَراً للمباشرة اللائقة بهذا الجناب».
(١٩) عقد صلة لفظية- و لكنها بعيدة- بين كلمتي «بَشَر» و «مباشرة» و قال إن الإنسان سمِّيَ بشراً لأن الحق تعالى باشر عجن طينته بيديه بطريقة تليق بالجناب الإلهي. و المباشرة التي تليق بالجناب الإلهي في نظر ابن عربي ليست المباشرة «بلا كيف» كما كان يقول مثبتو الصفات، بل إظهار الكمالات الإلهية المودعة في الأسماء (المعبر عنها باليدين) في الصورة البشرية التي خلقها اللَّه على صورته (قارن الفص الأول).
على أن كلمة «الجناب» قد يراد بها جناب الإنسان: أي أن يدي الحق توجهتا إلى خلق الإنسان و مباشرة ذلك الخلق على نحو يليق بالكرامة الانسانية.
و لكن التفسير الأول أولى و أدنى إلى المراد.
و لما كان الإنسان وحده هو الذي توجهت يدا الحق إلى مباشرة خلقه على نحو ما شرحنا، كان أفضل الأنواع العنصرية إطلاقاً. و لكنه لم يفضلها إلا بأن الحق باشر خلقه بيديه جميعاً: أي أنه أظهر فيه جميع كمالات أسمائه و صفاته، و غيره من الكائنات العنصرية لا تظهر فيه هذه الكمالات مجتمعة. فالإنسان- من هذا الوجه- أفضل من الملائكة العنصريين: أي ملائكة السموات السبع.