فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٨٢ - الفص السادس
اللَّه قوة الخلق، و هو لا يرى تناقضاً في افتراض وجود صور مختلفة للشي ء الواحد في عوالم مختلفة، و لا في وجود الشي ء الواحد في مكانين مختلفين، و لا في وجود شيخه في مكان ما و وجود روح ذلك الشيخ ماثلة أمامه تحدثه. بل هو يفسر بنظريته هذه كثيراً من المعجزات و خوارق العادات.
و أما قوله: «فإن تلك الحضرة التي يبقى لك الحضور فيها مع الصورة، مثلها مثل الكتاب ... إلخ. فمعناه أن حضور العارف في حضرة من الحضرات يتحقق بتركيز جميع قواه الروحية في صورة ما من صور تلك الحضرة: فإذا تم له ذلك الحضور أصبحت له هذه الحضرة بمثابة المرآة التي يرى فيها جميع ما في الحضرات الأخرى، أو كالكتاب الذي قال اللَّه فيه: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ ءٍ»، لأنه يرى في هذا الكتاب جميع ما في الوجود من واقع و غير واقع أي ما هو موجود بالفعل و ما هو موجود بالقوة.
(٩) «و لا يعرف ما قلناه إلا من كان قرآناً في نفسه».
(٩) أي و لا يفهم هذه المسألة إلا «الإنسان الكامل» الذي هو الكون الجامع لحقائق الوجود كلها في نفسه و الذي تتمثل فيه جميع الصفات و الأسماء الإلهية.
فهو كالقرآن يحوي كل شي ء.
و هنا نجد المؤلف يستعمل كلمتي القرآن و الفرقان- كما استعملهما في الفص الثالث- بمعنى الجمع و الفرق. و المراد بالجمع الحال التي لا تتميز فيها بين العبد و الرب- و هي حال الفناء الصوفي، و المراد بالفرق الحال التي يقع فيها هذا التمييز.
و أما قوله: «فإن المتقي اللَّه يجعل له فرقاناً» فإشارة إلى الآية: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً» (س ٨ آية ٢٧)، و لكنه يفسر التقوى و الفرقان بطريقته الخاصة. و قد أشرنا إليها فيما سبق و لا بأس من أن نزيد المسألة شرحاً هنا. يأخذ «المتقي» على أنها مشتقة من الوقاية لا من التقوى: